الضمير الوطني والتقاليد الدستورية

| 03.05,12. 04:16 AM |

 


 
 الضمير الوطني والتقاليد الدستورية


الدكتور عادل عامر
إن وضع دستور أمر فى غاية الأهمية والخطورة، لكنه ليس مهمة مستحيلة متى وضحت الأهداف وخلصت النوايا. ومصر لديها عشرات من أساتذة الدستور والقانون والمفكرين وعلماء الاجتماع والاقتصاد والناشطين، الذين وضعوا دساتير عربية وأفريقية وساهموا فى وضع وثائق دولية.. أصبح عليهم اليوم وضع دستور متزن ومتوازن لوطنهم، الذى يحتاج لكل عقل متزن وكل فكر متوازن وكل ضمير وطني. المهم أن نبدأ المسيرة فى الطريق السليم ومن أوله.. والبداية هي الدستور..
 إن مجتمعاً بلا دستور طائرة بلا رادار. ومن تحصيل الحاصل القول بأن مجتمعاتنا العربية عانت ـ ولا تزال ـ من تخلف وقصور أنظمة الإعلام السائدة عن تلبية هذه الحقوق جميعا ، ذلك أنها نشأت ونمت فى حِجر الدولة العربية الاستبدادية المتعالية على المجتمع ، وتولت العهود والحكومات المتعاقبة مهمة تطويع الإعلام لتحقيق أغراضها ومآربها الخاصة دون اعتبار للمصلحة العامة ، وفُرض على الأغلبية العظمى من الإعلاميين تكريس جل طاقتهم فى تشغيل ماكينة الدعاية والتعبئة والتعتيم على الحقائق وتزييف الوعي بالواقع . وكانت النتيجة المحققة من وراء ذلك هي افتقاد النظام الإعلامي العربي عامة لمقومات الاستقلال والحرية على السواء ، وعجزه عن النهوض بواجباته الحقيقية ، وحرمان المواطن العربي من حقه فى إعلام يحترم عقله ، حتى فى زمن السماوات المفتوحة وثورة الاتصالات والمعلومات . ومع ذلك فمن الإنصاف للحقيقة أن نقرر أن هذا الزمن وهذه الثورة قد لعبا دورا هاما وحاسما فى زعزعة أركان النظام الإعلامي العربي خلال العقد الأخير ، وتجلى ذلك بوضوح أكبر فى البلدان التى تفجرت فيها عوامل الحراك السياسي والاحتقان الإجتماعى منذ مطلع ذلك العقد ، وربما تكون مصر والمغرب واليمن من أبرز تلك البلدان ، فقد سمحت ظروف الهامش الديمقراطي والحريات النسبية المتاحة لديها بتحفيز الصحافة والفضائيات الخاصة ، وتوظيف أدوات ما يعرف بالإعلام الجديد فى التمرد على ثوابت الإعلام الرسمي ، وتحرير قطاعات واسعة من الجمهور من سطوته . ومن غير المبالغة فى هذا السياق القول بأن التضافر والتلاقح الفريد الذى نشأ بين وسائط الإعلام التقليدية الأكثر حرية ، وبين أقنية الإعلام الأحدث التى عجز النظام الإعلامي العربي عن احتوائها ، قد لعب الدور الأهم فى تهيئة أجيال الربيع العربي للثورة وبلورة توجهاتها السياسية والمجتمعية ، وهنا يمكن التأكيد على أنه إذا كان القهر السياسي الإجتماعى لأنظمة الاستبداد والاستغلال هو المفجّر لثورات الشعوب ، فإن الإعلام الحر والمستقل هو الذى يهيئ ويعجّل بإنجازها . ويستطيع المدقق لجدلية الثورة والإعلام أن يلحظ ذلك الارتباط المتبادل بين مقومات الثورة وحالة الإعلام فى شروط مكانية وزمانية محددة ؛ فالثورات كتجسيد مباشر لإرادة الشعوب لا يمكن تصورها فى غياب نظام اتصالي ومعرفي قادر على حشد قوى الثورة وتنظيمها فى اتجاه الهدف ، وفى الظروف التى تهيمن فيها الأنظمة الحاكمة على الآلة الإعلامية لا يجد الثوار بُدا من السعي لإحداث ثغرات فى النظام الإعلامي القائم واحتلال مساحات مؤثرة بين جنباته ، أو العمل على إنتاج بدائل اتصالية ومعرفية جديدة لتجسيد رؤى الثورة ومتطلباتها ، وتؤكد شواهد الربيع العربي أن قوى التغيير فى الواقع العربي مضت ـ ولا تزال ـ فى هذين الدربين معا ، وهو الأمر الذى يفسر المكانة البارزة التى تحتلها شعارات حرية الصحافة والإعلام ضمن مطالب الحراك الثوري والإصلاحي فى عموم الوطن العربي ، وحرص القوى والحركات السياسية على استثمار معطيات ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال على المستوى الكوني .
أن البرلمان لا يمكن أن يتحمل وحده مسؤولية وضع الدستور، فهو يقوم بإعلان الدستور، لكن لا ينفرد بوضع نصوصه وأحكامه، ذلك أن التقاليد الدستورية وأصول التقنين تقتضى أن الذين يقومون بتنظيم أمر أو إنشاء منظمة لا يجوز أن يكونوا ممن سوف يشملهم ذلك التنظيم تماماً، كما أن أطراف القضية لا يجوز أن يشاركوا فى إصدار الأحكام. قاعدة أخذت بها المحكمة الدستورية العليا فى مصر، وإن كانت فى سياق مختلف، والدستور ينظم اختصاصات مجلس الشعب وشؤونه فلا يضعه المجلس. البرلمان مسئول عن وضع القوانين، والدستور «أبو القوانين» الذى يجب أن يقوم على توافق جميع القوى الوطنية. البرلمان يشرع ويراقب لفترة معينة هي مدة دورته وقد يتغير التشكيل وتختلف الأغلبية وتتغير الاتجاهات، لكن الدستور يضع المبادئ الأساسية الصامدة، التى لا تتأثر بالاعتبارات السياسية والحزبية. الدستور - فى اى نظام ديمقراطي صحيح - أحد المصادر الأساسية للتشريع، أي لابد من ترجمة نصوصه إلى قوانين وتشريعات تتفق مع نصوصه، وإلا كان الحكم بعدم دستورية التشريع وإلغائه، مما يؤدى إلى التناقض أو التضارب وما يطلق عليه «فوضى التشريع»، وهو بذلك وثيقة طويلة الأمد ممتدة المفعول لا ترتبط بفترة معينة. وسواء قام رئيس الدولة أو البرلمان بتشكيل اللجنة أو الجمعية التأسيسية أو جاءت بالانتخاب، فالمهم أن يأتي تشكيلها معبراً عن حقيقة المجتمع وما يزخر به من تعددية تزيد المجتمع ثراءً وتنوعاً. إن مشاركة المواطنين فى وضع هذه الوثيقة المهمة والأساسية أحد دوافع احترام الدستور والقانون، فالإنسان أكثر ميلاً للالتزام بما يشارك فى وضعه. الدستور وثيقة اجتماعية سياسية اقتصادية ليست قانونية فحسب، فلا يجوز أن يقتصر وضعه على القانونيين، بل يشارك فى وضعه سائر فئات الشعب وطوائفه واتجاهاته، حتى يكون البنيان راسخاً ديمقراطياً وطنياً. القانونيون والخبراء الدستوريون لهم مهمة المشاركة فى التأكد من اتفاق الدستور مع المبادئ الأساسية لبناء الدولة، وما يبديه الشعب من مطالب، ومع الاتفاقيات الدولية التى تم التصديق عليها. ونحن فى مصر لنا فى ذلك خبرة وتجارب، فمنذ ثورة عرابي وصدور أول دستور سنة 1882 صدر عدد كبير من الوثائق الدستورية تفاوتت أشكال وضعها، ومدى تعبيرها عن ضمير الوطن، لم ينفرد البرلمان بوضعها.
الملك عندما شكل لجنة لوضع الدستور لم يختر أعضاءها من بطانته، بل كانوا يمثلون الخبرات والكفاءات المطلوبة لهذه المهمة، وعبد الناصر لم يقصر لجنة الدستور على العسكريين، بل شكلها من الأساتذة والعلماء والمفكرين، ودستور 1971 مهدت له سلسلة من جلسات الاستماع التى شملت جميع طوائف الشعب. واليوم تمر مصر بمرحلة مصيرية يسودها كثير من المناقشات والحوارات والاعتراضات والمقاطعات حول معايير اختيار اللجنة التأسيسية. هذه المعايير ليست مشكلة مستعصية.
 ويمكن القول بصفة عامة إنه لابد أن تشارك فى الجمعية التأسيسية نسبة معينة من أعضاء البرلمان، ولتكن 25 عضواً يمثلون الاتجاهات المختلفة بالمجلس التشريعي وفقاً لوزن القوى، أي الأحزاب، فى البرلمان وذلك بحد أدنى عضوان وحد أقصى 5 أعضاء. كما يشارك فيها جميع فئات مصر وطوائفها، على اختلاف انتمائهم السياسي، والحزبي، والديني، عسكريين ومدنيين، أقباطاً ومسلمين، رجالاً ونساءً، يمثلون المناطق الجغرافية المختلفة الدلتا والصعيد والنوبة وسيناء والواحات وحلايب وشلاتين، منهم العمال والفلاحون، والرأسمالية الوطنية، والمهنيون من أساتذة القانون والإدارة وغيرها، يمثلون المؤسسات الرسمية والأهلية والدينية، ويطرح للاستفتاء والمطلوب هنا أغلبية 50% وليس الثلثين.
 لقد تأخرنا كثيراً فى إصدار الدستور، فكان يجب أن يصدر قبل الانتخابات البرلمانية، ليضع الحياة السياسية على الطريق الصحيح ويقوم بنيان الدولة على أساس واضح راسخ متين، أما وقد تقرر عكس ذلك وجاءت الانتخابات التى لم تكن اختياراً بين برامج أحزاب سياسية، إنما مفاضلة وخياراً بين الجنة والنار فلا يجوز أن تستمر حياتنا السياسية بلا دستور، ولا يجوز اتخاذ أي قرارات تتعلق بشكل الدولة أو اختصاصات الوزارة أو انتخاب الرئيس وسط فراغ دستوري وحزبي.


كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية
ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية
محمول
01224121902



(Votes: 0)

Other News

إغتالوا الجسد .. لكن الأفكار باقية ! الدعاية الرمادية في الانتخابات الرئاسية المصرية في‮ ‬لبنان‮ ‬لا‮ ‬قانون‮ ‬إنتخابياً‮ ‬جديداًولا‮ ‬مشاركة‮ ‬للمغتربين أمّة عظيمة نعشق اللحظة الأخيرة ! حزب طره و عروش الهوى زرع الجواسيس من بعد ثورة يناير العزف على أوتار الناخبين ! الارهاب الفكري بين حرية الإبداع والفكر خمسة عشرة مليارات دولار حجم عمليات الجريمة البيضاء وغسل الأموال في مصر لنجعل من ساعة الصفر معركة الحسم الطلاق والاستغلال والعنوسة والجهل برنامج دراسات المرحلة الانتقاليةإعادة هيكلة قطاع القضاء في سورية الجديدة الإسلام ليس هو الحل..الإسلام هو المصيبة القوة الاقتصادية للمصريين فى الخارج الفرعونية السياسية بين الماضي والحاضر شر البلية مايضحك ...جكومة بالمنفى؟وساطة أممية؟وديغول سورية!!!!!!    الوحش الطائفي الحكومة اللبنانية والتجارة الخاسرة مع سورية الثورة المصرية على طريق "الرومانية" إيران .. شوكة فى الحلق ولا تؤلم ! الزواج التوافقي بالورقة والقلم الخطاب الإعلامي وتضخيم الحدث أول‮ ‬رئيس‮ ‬يمثل‮ ‬كل‮ ‬لبنان التكلفة الاقتصادية من بعد تنحي مبارك أسئلة من سوري قلق للمتفاوضين السوريين في جنيف هل من سوء حظ الثورة السورية ... أم من حسن حظها ؟؟؟ الحرية بين الحق ومساحة العقل من المسؤول؟ الفلول قادمون !