Keyword: From Date: To Date:

كمال جنبلاط : رسالتي كنائب

| 13.12,08. 10:28 PM |

 

بقلم خالد غبار

كمال جنبلاط 

رسالتي كنائب

 

 في 21 اذار 1947  فاجا نائب جبل لبنان الحضور بافتتاحية للندوة اللبنانية تحدث فيها عن رسالته كنائب, وقف ذلك الشاب وهو في الثلاثين من العمر, بقامته الطويلة والضعيفة وبسمته المعهوده الذي  لا   يختبىء وراءها دهاء السياسيين انما عبقرية تفتحت باكرا وبقيت صلبة بعقيدتها حتى النهاية ... في الثلاثين من العمر فقط هؤلاء العظماء لهم القدرة على استنباط الفلسفة ووضعها بقالب مجتمعها.

رسالتي كنائب هي ليست للدعاية الرخيصة وانما هي زلزال من الفكر الهادر الذي هدد بدحر القديم لمصلحة مستقبل تقوده نخبة في ثورة سلمية الى مجتمع افضل الى مجتمع حر وشعب سعيد.

يرجع بنا كمال جنبلاط  الى من نظر الى الانسان   فحلل وفكر, الى شموخ الفكر الانساني في اعلى مراتبه... الى الفكر اليوناني وحكمته يذكرنا بنظرة افلاطون  الى العقل , هذا العقل اللطيف الذي نظر الى نفسه فزها وتكبر فخلقت له القدرة الضد وما الضد الا هذا الشر في هذا العالم ... وما العقل والضد الا هذه الديالكتيكية والصراع المستمر الذي يرسم خطوطه في الماده كالايجابي والسلبي, النهار والليل ,البرد والحر , كذلك يرسم خطوطه في الفكر كالخير والشر ,الظلم والحرية,المكيافيلية والاخلاص.وربما هذا الاحتكاك الدائم هو ضروري لتطور وتقدم المجتمع الانساني او العلاقات الانسانية. كما كان ضروري في تغير وتطور المادة فينا ,او ان المادة هي تكثيف لما قبل المادة, وطبيعة تناقضها هي امتداد لطبيعة العقل والضد, وهكذا يبدا كمال جنبلاط رحلته بتفاؤل لقدرة العقل على الرجوع الى ذاته لاظهار الخير والجمال فيه ومنه, والرجوع الى الذات هي باطنية تاثر كمال جنبلاط فيها بالصوفية الاسلامية التي تعتبر بان السعادة الازلية هي هدم الازدواجية في داخلنا.

فهذه المقدمة كانت الحجر الاساس لهذا المفكر الانساتي ولكنه حوصر في مجتمعه اللبناني التقليدي الذي بدات بذور التغيير فيه تهب من كل مكان, وفي مجتمعات تحتوي على اقليات هي امتداد في تركيبتها الاجتماعية والنفسية الى دول اقليمية وعالمية, فيعرف جنبلاط انه في ارض خطرة . ولكن الاحداث كما كان يقول هي كالحلم تجري امامنا ننضم اليها فيكون لنا شرف الانتماء وشرف التغيير.

 

فى العدالة: وجنبلاط المثقف العميق لا يستثني اي حقبة في التاريخ الا ويستدرك ايجابياتها ولانه كمفكر صنف نفسه كيساري امن بان الخير هو هذه العدالة الاقتصادية والاجتماعية, وهو انتصار للعدالة الالهية فينا ,فمن المسيحية ومن كتاب "لفور"(معضلات الحقوق الكبرى) يستخلص:"ان لكل بشرى حرا كان ام مسترقا ،يونانيا ام بربريا, يهوديا ام وثنيا,نفسا خالدة ,وضميرا مستقلا عن كل سلطة بشرية. فالبشر جميعهم اذن يملكون مساواة طبيعية جوهرية دون اي تميير لعنصرهم او لجنسهم. هم متساوون امام الله.

 

فى القومية:   هنا يجد جنبلاط نفسه معارضا لانظمة وافكار توتاليتارية تعتبر  القومية هدفا

و تمجد الدولة ناقلة التاريخ المحنط لتضعه امام جماهيرها التى تصطدم بالواقع فتتحول انظمة بوليسية إدا كانت فى الحكم اوالى اعما ل تخريبية اذا كانت خارجه .وما الاعتداء على الصحافة اليوم الا نتيجة طبيعية لهذا الفكر المدمر ... ونعود الى جنبلاط لنتذكر كلماته التي وضعت في اكثر من موضوع وهي ان لا العائلة ولا المهنة ولا الدولة غاية الانسان, بل غايتها جميعا خدمة الانسان بما يتفق وتفتح شخصيته وكيانه وتحقيق غايته الجوهرية.

 

في السياسية: وبشاعرية مرهفة يفاجئنا جنبلاط بمفهومه للعمل السياسي والديمقراطية بشكل خاص. فيشبه السياسي بالفنان الذي يجمع ويحول هذه الحركات الفوضوية الى لحن بسيط, او رقصة جمالية يحركها الحب. والسياسي الحقيقي هو الذي يجمع بتفهم وحب بين الواقع والمثل الاعلى بين حالة الحب وحالة الواقع,بين القوة والفعل... وليس كبعض السياسيين اليوم الباحثين عن مراكز نفوذ في زنازين القمع والحقد ضاربين بعرض الحائط سيادة الوطن واستقلاليته.

 

في القانون: يجد جنبلاط في القانون الانكليزي اجمل تعبير عن سيادة القانون:

"القانون هو السيادة المطلقة او الغلبة للقانون المعتاد الذي يتعارض مع السلطة الاستبدادية  وهو ينفي وجود الاستبداد او الامتياز او حتى السلطة الاختيارية الواسعة في يد الحكومة.ان الانكليز يحكمهم القانون وحده .فالشخص عندنا قد يعاقب اذا ما خالف القانون ولكنه لا يمكن ان يعاقب لغير ذلك من الاسباب" وما شهدته الساحة اللبنانية مؤخرا هو ضرب للقانون حيث اغتيل رجالات امنوا بان القانون وحده يعيد البلاد الى سيادتها وليس الفوضى والدويلات الامنية والسلاح اللاشرعي الذي تحول الى بؤر امنية وبؤر ارهابية.اما في جموع الاكثرية التي لا تؤمن بالعنف بل تؤمن بشرعية الدولة ... تقف بصلابة امام الموت والاغتيالات ليعطوا التاريخ عبرة عن صراع الحق ضد الباطل وعن صراع العين ضد المخرز لان العين ترى والمخرز اعمى يمكن ان يرتد على صاحبه.

وبعد حديثه المطول الذي لا يتسع  للتعليق عليه في هذه المقالة الصغيرة يهمنا ان نطلع القارىء على الاستخلاص الذي قدمه الشاب كمال جنبلاط وهو ان الحقيقة واحدة في العالم وان اختلفت مظاهرها..... فالحضارة الغربية دخلت كل دولة وكل بيت بانظمتها السياسية وسلعتها التجارية فاصبح العالم ينظر الى امور واحدة ولكن بمصالح مختلفة مما ادى وسوف يؤدي الى مزيد من الصراعات الا اذا تخلت القوميات عن عصبيتها وانخرطت في نظام انساني واحد اخذا بعين الاعتبار كل المميزات الوطنية والدينية لان الحقيقة لا تكمل بدين او بامة دون سواها من الاديان والامم والمدينات .

واخيرا نقطع هذه المداخلة لننقل حرفيا رجاء وامل الجنبلاطي الشاب في انطلاقته السياسية:

ولنا رجاء ولنا امل

على هذا الشاطىء الذهبي الجميل على مقربة من هذا البحر الذي كان لبنانيا حقبة طويلة من الزمن ,والذي انعكس فيه ظل مستطيل من عظمة وهدي صيدون وجبيل وصور وقرطاجة منفيس والاسكندرية واثينا وروما والقسطنطينية وبيروت وقرطبا وسفساط, على مراى ومسمع الامواج التي رات – كمدها وجزرها –شعوب الدنيا تقوم وتنزح وتقطع الصحارى تتلوها موجات اوسع واضخم وارهب من الموجات المغولية والاريانية والسامية تتلاقى وتتهاضم وتنصهر في هذه البقعة النادرة من العالم.وفي وعي قومي داخلي كأن لبنان يعي لبنان وكأن اولى الحركات الاستقلالية فيه في الشرق على اطلاقه ,تجل لهذا الوعي الذاتي العميق –في هذا الوطن ذي الحضارة الانسانية المتفتح لجميع التيارات الفكرية العالمية والذي شاهد صور نبوخذ نصر ورعمسيس وهانيبال ويوليوس قيصر وموسى وعيسى وخالد بن الوليد وصلاح الدين ونابليون وفلاسفة اليونان ومتشرعي الاسلام وغيرهم كثير,يجرون الفتوح تلو الفتوح- هذا فتح في العقل ,وهذا فتح في الروح.وهذا فتح في السيف وفي الزمن وفي سعة من الارض..

في هذا البلد القديم الجديد ابدا"الالف والياء"والذي اعطى العالم قيما وافكارا ورجالا ونظما وتالقا,يصح لنا ان نتفائل وان يطيب فالنا وان نامل ونوطد الامل ,وان نؤمن, وان يعمر ايماننا بقيام صرح ديمقراطية صحيحة بناءة خلاقة, تجمع بين طمانينة العيش –نيال من له مرقد عنزة في لبنان- وبين الحرية الشخصية ,بين الحيوية والتطور والتنظيم, بين السياسة والتصرف, وتكون هذه الديمقراطية مثلا للشرق والغرب –على غرار فنلندا وسويسرا واسوج والبرتغال- ويكون لبنان كما نريده ,مركز تطور وتوجيه وهدي في العالم العربي والعالم المشرقي خاصة- ويصح اذن فينا القول:"اننا هنا في لبنان لا يسيطر علينا الا حكم القانون".



(Votes: 1)