Keyword: From Date: To Date:

استقلال لبنان

| 22.11,09. 06:02 AM |

استقلال لبنان

 

في طفولتي او مطلع شبابي نصب الطرابلسيون المتاريس ضدّ الاستعمار الفرنسي المقرون آنذاك برفض لبنان. ولما كنت أجتازها من بوابة الحدادين الى المدرسة في الزاهرية كنت أسمع المسلحين يرددون: «بدنا الوحدة السورية إسلام ومسيحية». أذكر ايضا ان البرلمان في جلسة 8 تشرين الثاني 1943 ألغى كل حقوق فرنسا الواردة في الدستور. بعد ثلاثة أيام كان ما يسمّيه الفرنسيون عيد الهدنة فعطّلت مدرسة الحقوق التي كنت أطلب العلم فيها وانكفأتُ الى طرابلس ولاحظت (وأنا مدنيّ آنذاك) أن تظاهرة تلامذة ابتدائيين وثانويين خرجت من المدينة القديمة ووصلت الى ساحة التل التي كنتُ جالسا في أحد مقاهيها، وفهمت توا أن هذا كان احتجاجا على سجن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض من الشخصيات التي كنت أعرف منهم عبد الحميد كرامي لأنه كان يسلّم عليّ في الطريق وانا طفل كل مرة التقيته، ولما اجتازت التظاهرة بعضا من طريق الميناء جبهتها دبابة فرنسية وقتلت منا أحد عشر شابا. وأخذت مع غيري أجمع جثثا مشلّعة. في تلك اللحظة ألغيت فرنسا من دماغي. تحقق الاستقلال في نفسي.
قبل هذه الميتات كنت قد قرأت في البيان أن لبنان «لن يكون للاستعمار مقرّا ولا الى شقيقاته العربيات ممرّا». ففهمت أن المراد بهذه العبارة العظيمة أننا اتفقنا على رفضين: رفض الانتداب ورفض الوحدة السورية.
بعد هذا بخمس سنوات نشأت إسرائيل. قبل ذلك بأيام قليلة التقيت للمرة الأولى كمال جنبلاط في باريس التي كنت فيها طالب لاهوت، فسألته عن غرض زيارته فأجابني انا ذاهب الى إنكلتر لأشتري سلاحا للدولة اللبنانية.
اذا جمعت الميثاق الوطني واحتلال الصهيانة لفلسطين ماذا أفهم؟ أفهم بالدرجة الأولى أننا في العمق وفي الجهاد ضد اسرائيل، وبقيت حتى اليوم أفهم أننا معها في حال عداء وأنني لا أرى وسيلة للسلام بيننا. وكتبتُ في ما بعد هذه دولة «حُبل بها بالإثم ووُلِدت في الخطيئة». ومعنى ذلك، اننا لا نستطيع اليوم ولا غدا أن نعاشر دولة زانية.

• • •


منذ بضعة أشهر طرحت على نفسي سؤال حيادنا على طريقة سويسرا التي أمضيت فيها فترات من عمري. فأدركت أن حيادها صيغة قانونية تقضي بأن تقبله جاراتها لينتفي التعدّي من الطرفين. وفي الواقع بقي هذا البلد سالماً في الحربين الكونيتين الأولى والثانية. وكان واضحاً عندي أن سويسرا مؤلفة الى فئات وطنية صغيرة من فرنسيين وإيطاليين وألمان وأن هذه الشعوب الثلاثة تعتبر نفسها سويسريّة فقط.
اذًا لا حياد لنا لا تعترف به إسرائيل. تبقى سوريا. هنا يطنّ في أذني كلام الرئيس حافظ الأسد: «نحن شعب واحد في دولتين». الى جانب تصريحات متتالية منه ومن الرئيس الدكتور بشار الأسد ليس من حياد عن سوريا ما دامت الدولة العبرية التي تنعت نفسها باليهودية رافضة له. السؤال الباقي حول استقلالنا عن الأخت الكبرى ليس سؤالا قانونيا بعد التبادل الديبلوماسي. هو سؤال أدبي بل كامن في الوعي التاريخي عند إخواننا وهو هذا: هل يعتبروننا جزءًا منهم؟ الجواب أن سوريا الكبرى لم تكن متكوّنة في العصر العثماني ولا بعده من الناحية القانونية. لم ينفصل تالياً أحدنا عن الآخر بالمعنى القانوني. السؤال الذي قد يبقى في أذهان أشقائنا هو هذا: هل كان على اللبنانيين أن يرفضوا إعلان لبنان الكبير في الأول من ايلول السنة 1920؟
عدد كبير من اللبنانيين رفض لبنان الكبير آنذاك وبعد هذا التاريخ بسنوات عديدة (مؤتمر الساحل، حوادث 1958) الى أن استقرّ الولاء اللبناني عملياً في عهد فؤاد شهاب وفي الطائف ونصّ على نهائيته في الدستور الجديد.
في الوقت الحاضر ليس من لبنانيّ واحد يرفض الاستقلال وجدانياً وقانونياً. ليس عندنا إحصاء أو استفتاء يدلّنا عمّا اذا كان الشعب السوري يريدنا أن ننضم اليه. ونحن قد اتّفقنا في ما بيننا ألا نعقد زواجا كاثوليكيا مع احد. هذا هو الواقع الذي نرجو أن تراه سوريا على كل مستويات وجودها لأن هذا شرط لثبات الأخوّة.
الدول تدول اي تنشأ وتموت. الوحدات الوطنية قد تنقسم. «كل من عليها فانٍ ويبقى ربّك ذو الجلال والإكرام» (سورة الرحمن 26 و 27). لا تعيش الدول في الماضي ولا في الحسرات. واذا اعتبرنا مع الرئيس حافظ الأسد أننا شعب واحد فالشعوب ايضًا تتشتّت وتنتظم في دول مختلفة. ليس من شعب مقدسة وحدته وما من شعب مختار. الشعوب والدول مجرد إمكانات.
هذه ليست صرخة إزاء أحد. هذا حب للبنان وسوريا معا اذ ليس من كيانين مرتبطين كما من رحم واحدة مثل هذين الكيانين.
نداؤنا نحن أبناء هذا البلد للإخوة السوريين أن أحبونا كما نحن نحبكم. وانت والحبيب الذي تتوق اليه لا تتساكنان قبل الزواج. نحن والسوريون نعيش في التوق بعضنا الى بعض وهذا عظيم جدا. وهذا كافٍ ليتحول التوق الذي يربطنا الى تعاون وثيق على كل الصعد بما في ذلك النمو الاقتصادي للبلدين والمشاركة الفكرية في إطار الثقافة العربية.
منذ سنوات كنتم تشتكون من مؤآمرات عليكم. من له هذه الرغبة الآن وقت تتقرب اليكم دول كبرى ودول متوسطة أو صغرى. ما قوة لبنان المهشّم، الباقي بأعجوبة ليؤذيكم بشيء. أذكر في الماضي القريب والبعيد أن ديبلوماسيتنا كانت معكم في تلاقٍ أو توازٍ. نحن ليس لنا أن نهدد أحداً. ضمّونا اليكم بالحب تروا منا العظائم. اجعلونا وإياكم واحداً بالسعي المشترك الى بهاء بلدين متعانقين في استقلال كل واحد، في ذاتية كل واحد.

• • •


اما عيد الاستقلال الذي لم يحن وقته بعد فهو أن يستقلّ كل رجل سياسة عن شهواته. هذه منعتنا وهذا جلاله. لبنان المستقلّ في الداخل هو من تعرّى من ثوب الفساد، كل فساد. ماذا ينفع الإنسان إن كانت حدوده كلها مصونة وقلبه غير مصون؟ ماذا ينفع "اللبنان" اذا ربح العالم كله وخسر نفسه، او ماذا يعطي اللبناني فداء عن نفسه؟ نريد وطنا عظيم التهذيب لا أثر فيه للشتيمة والبغضاء في حقل العمل الوطني، يجمع ساسته الصدق والعلم والإخلاص، وطنا معطاء لأبناء له يزول عندهم البؤس ويُغنون بعضهم بعضاً بالمحبة، يستثمر كل إمكاناته ولا يهمل واحدة حتى تتحقق كل طاقات العدل. واذا استتبّ العدل في كل المناطق سواسية لا يبقى مجال لفتك الطائفية، الطائفية بكل جوانبها. لن تزول هذه الآفة بالإنشاء حتى لا يبقى بون بين الكلمة الحلال وتنفيذها لصالح المواطنين.
لن تعود الثقة بين هؤلاء والحكام ما لم يُثبت هؤلاء أنهم خدّام لكلّ الناس. لا يأخذ السيادة الا من كان ماسحًا لأرجل الفقراء.
هذا البلد هو الذي يتمناه أبناء لبنان، هذا الذي يكون قد حقق استقلاله الداخلي عن ذنوب الخطأة.

المطران جورج خضر

النهار

 



(Votes: 0)