Keyword: From Date: To Date:

عن سورية والطائفية والحلم والمستقبل ..؟ ولشهداء الحرية نقول : كنتم رجالا وكنا جبناء

| 15.04,11. 01:44 PM |

 

عن سورية والطائفية والحلم والمستقبل ..؟
ولشهداء الحرية نقول : كنتم رجالا وكنا جبناء

 

بقلم نهاد الغادري

أعرف أنني ألامس موضوعاً خطراً ذا حساسية ، غير أنني أعتقد أن قد آن أوان الحديث عن الطائفية وتوظيفها وهو أمر مختلف لاصلة له بالطائفة أية طائفة ولا بحقوقها التي هي حقوق وطنية قبل أن تكون طائفية وهو ماتنساه كثيراً أصوات الترقيع وأحياناً أصوات التغيير .. وينساه أكثر صوت السلطة .
ثمة فارق بين الطائفة بما هي موجود تاريخي وبين الطائفية بما هي سياسة أو تعبير سياسي . الطائفة جزء من أي وطن نمت فيه وترعرت وكان لها تاريخ وجذور هي بنت الأرض ، وقد تشكلت في شروط سياسية وثقافية مضت وهي مستمرة بتوالدها لا بأسبابها . الطائفية سياسة ذات هدف يمارسها هذا الفريق أو ذاك ، وسواء كان هذا الفريق أكثريّاً أو أقليّاً ولأي دين أو مذهب ولد . أقول ولد لأن لاأحد منا جميعاً اختار موروثه الديني أو العرقي أو الجغرافي . الكلّ يولد وارثاً ثم يمارس هوايةَ أو قناعةَ الإنتماء . ولو حدث أن أعيد تشكيل الأحياء الناضجين بموروث آخر مختلفٍ ونقيضٍ لاختلفت مواقفهم باختلاف موروثهم الجديد . مسلمنا سيكون مسيحياً إذا ولد مسيحياً ، ومسيحيّنا سيكون مسلماً إذا ولد مسلماً ، وكذلك أبناء كل الطوائف من كل الأديان . وإذن فنحن مصاغون قبل أن نولد ومواقفنا ليست بنت قناعاتنا بل بنت قناعات سبقت ، تناسلت وامتدت عبر أجيال وتنتمي في ثقافتها وعلاقاتها بالآخر لماض مضى ويستمر بالوراثة لا بالحاجة أو القناعة . حتى العادات نرثها ونورّثها .
يحدث في المجتمعات الأكثر تقدماً ونضجاً أن يصبح بعض الموروث ماضياً وتراثاً وليس سلوكاً وقناعات . فالمسيحي الغربي يولد مسيحياً ولكنه يصبح علمانياً بثقافته أو سلوكه أو هما معاً ، وقد يحتفظ ببعض مسيحيته وينفي بعضها ليجد نفسه شريكاً للآخر في الحياة والمسؤولية الوطنية . لاينظر للآخر على أنه خصم أو عدو . إنه مجرد وارث مختلف يحدد حقه وواجبه على الأرض مشتركات الحياة الوطنية لا مشتركات الموروث التاريخي .
في العالم العربي ، وبخاصة المناطق التي تكاثرت أقلياتها ومعها موروثها المختلف ، يصبح الموروث عبئاً على الحياة الوطنية وصراعاً دائماً مع وجود الآخر وحقه الوطني . وماإن تتاح لأي فريق فرصة السلطة والحكم حتى يستحضر الموروث التاريخي وثقافته ونهائياته ليهدد نقيضه الديني أو المذهبي فيستذله أو يفرض عليه شروط موروثه الديني : مسلم ـ مسيحي ، أو موروثه المذهبي : سني ـ شيعي ـ علوي ـ درزي ..اسماعيلي ..الخ ـ أو موروثه العرقي : عربي ـ كردي ..الخ الخ .
لكل دين موروثه ، ولكل طائفة أو مذهب من دين موروثهما أيضاً ، ولكل عرق بعض اختلافه مع الآخر بموروثه أيضاً وأيضاً . نحن إذن أمام جماعات بشرية تنتمي لتاريخ طويل من الإتفاق والإختلاف ، من الوحدة والصراع ، ومن سلطتها أو وجودها الجغرافي ، ومن رفضها الآخر المختلف أو تعايشها أو اندماجها معه في حياة مشتركة تتجاوز الماضي لتصنع الحاضر والمستقبل .
يصعب القول إن كل موروث خطأ أو كل موروث صحيح وحق . فالموروث يخضع في التعامل مع الآخر لشروط جديدة تأخذ منه وتعطيه ثم هي تعيد صياغته . وإذن فإن الوارث يخضع لعملية إعادة تشكيل وبقدر مايستجيب يخرج من شرنقة التاريخ ، أو يرفض يظل داخلها . دعونا نضع خطاً عريضاً تحت كلمة تـحـوّل التي تعيد صياغة الإنسان بنظرة جديدة للكون والحياة والعلاقات الإنسانية .
في هذا العالم الجديد الذي يولد فيه المستقبل بقدر من شروط الماضي وقدر من شروط علاقته بالآخر المختلف لم يعد ممكنا للإنسان في الجغرافيا السورية أن يولد مطوّقاً بماضيه . ثمة قدْر من الواقع وأقدار من المستقبل تحيط به وتطوّقه . لايستطيع أن يظل هو ذاته إلى مالانهاية تستقفصه خرافات التاريخ وأحداثه . لابد من أن يخرج من الإرتهان إلى الحرية ، لابد من أن يمزق خيوط الشرنقة التي صاغها بنفسه لنفسه ليكمل أسباب نضوجه وبلوغه وليفرز مع النضوج والبلوغ واقع حريته المساوية لحرية الآخر .
في سورية يحاول جيل جديد رفْضَ الإرتهان . رفْض الطائفية بكل أبعادها وعناصرها وأسبابها . يريد وطناً لاسجناً . يريد مساحة من الأرض يمارس عليها حضوره ووجوده لا جدراناً تحيط به وسياطاً تلسع ظهره وأجهزة تراقب صبحه وظهره ومساءه .
في أحد مقاهي باريس تلك التي طالما جمعت سارتر وفريقاً من محبيه التقيت مجموعة من السوريين ليس بينها وبين كل ماحدث ويحدث في سورية أي رابط غير صراخ الحرية العظيم . مجموعة لاتعرف ماذا تعني كل تلك المفردات التي تستخدم للتبرير أو التحذير أو الخوف والتخويف . أحدهم سألني : « هل الحرية جريمة .. ولماذا يخشاها الحاكم .. وكيف تكون صرختها صناعة خارجية أو مؤامرة .. ولماذا كانت الحرية هي العدو وليس الكرباج الذي يلسع الظهور ..؟ . آخر صاح : كيف نكون خونة ونحن نطالب بحق المعرفة ، وحق المشاركة ، وحق المسؤولية .. أخيرا بحق الصراخ من الألم . من يصرخ هو متآمر أما من يلسعنا بسياطه فبريء يدافع عن الوطن .. أي وطن هذا الذي يدافع عنه السجن والسجان والقاتل والسارق ..؟ يدافع عن حقه في السجن وحقه في القتل وحقوقه في السرقة .»
في عيون أولئك الذين يعيشون الغربتين : الغربة عن الوطن وغربة الإنتماء لسوطه يلسع ظهر الحرية ، في تلك العيون النسريّة رأيت سورية الجديدة التي طالما حلمت بها . سورية التي عرفتها شقيّا وغادرتها شقيّا وأعيش غربتها شقيّا ..
لأولئك لذين يدافعون عن حريتنا جميعا ألف تحية حب ..
وللشهداء هناك في أرض الوطن الغالي نقول : كنتم رجالاً وكنا جبناء .. وننحني إجلالاً .

المحرر العربي



(Votes: 0)