Keyword: From Date: To Date:

تعلّموا من لبنانيي أوستراليا... ولا تعلِّموهم

| 11.04,11. 11:45 PM |

 

تعلّموا من لبنانيي أوستراليا... ولا تعلِّموهم

 

سركيس نعوم   

- 1 -

يعرف اللبنانيون وفي مقدمهم قرّاء "النهار" ان غيابي عنهم "بضعة اسابيع" مرة أو اثنتين كل عام يكون عادة في الولايات المتحدة التي اعتدت منذ سنوات طويلة  القيام بجولات سنوية ودورية على "اداراتها" المتنوعة في العاصمة واشنطن، وعلى عدد من مراكز الابحاث الاميركية فيها، وعلى المنظمة الدولية في نيويورك أو بالأحرى على عدد من ممثلي دول العالم فيها. ويعرفون أيضاً ان سلسلة طويلة من "الموقف هذا النهار" الذي اكتبه منذ عقود ستطلعهم على نتائج تلك الجولات، بل على المداولات والمناقشات التي اجريت اثناءها وتناولت القضايا الأهم في العالم اليوم. وهي قضايا شرق أوسطية واسلامية وعربية ولبنانية خالصة.
ويعرفون أخيراً ان "الموقف" الأول في سلسلة كهذه يكون عادة تمهيدياً. لكنني هذه المرة سأشذّ عن القاعدة. إذ سيكون "الموقف" الأول عن أوستراليا ومغتربي لبنان فيها. اذ انتقلت من اميركا اليها بعد انتهاء جولتي البحثية بدعوة من "رابطة إحياء التراث العربي" فيها وذلك بغية تَسلُّم "جائزة جبران (خليل جبران) العالمية" لسنة 2011 التي قررت منحي اياها قبل اشهر قليلة تقديراً لعملي وجلّه اعلامي، متابعة بذلك مسيرة بدأت قبل نحو ثلاثين سنة نال فيها هذه الجائزة لبنانيون وعرب واوستراليون ولبنانيون اميركيون ولبنانيون اوستراليون "كبار". امضيت في سيدني العاصمة الفعلية وإن غير الرسمية لأوستراليا قرابة عشرة أيام لن أنساها ما حييت، حفلت بلقاءات واجتماعات وزيارات مع مؤسسات الجالية اللبنانية على تنوعها، وتخللها جمع شمل مع الأقارب والأهل الذين غادروا لبنان قبل عقود، واطلاع على النجاحات التي حققها ابناء الجالية في مجالات مختلفة في سيدني وغيرها، وعلى طبيعة النظام الحاكم في اوستراليا. كما تخللتها لقاءات مع سفير لبنان فيها ومع قنصله العام في سيدني ومع احبار الطوائف المسيحية ورهبانها الذين اقاموا مؤسسات تربوية ناجحة في تقديم العلم الى طلابها وفي توثيق انتمائهم الى الوطن الأم لبنان وفي تعميق انتمائهم للوطن الجديد أوستراليا.
واكثر ما اثّر فيَّ لقاءان. الأول مع "راهبات العائلة المقدسة" اللواتي نجحن في تأسيس "بيت الراحة للمُسنِّين" وهو يتساوى مع امثاله في الدول المتقدمة من حيث التقنيات المتوافرة فيه وكل انواع المعالجات الضرورية، لكنه تفوق عليهم باللمسة الانسانية التي يتميّز بها ابناء هذا الشرق أو المتحدرون منه. في هذا البيت التقينا عجوزاً على كرسي متحرك يقرأ ما يسميه المسيحيون "الشبية" اي كتاب القداس والصلوات. كان مهاجراً من "مرج كفرصغاب" قبل عقود طويلة. كان يقرأ من دون نظارات. وعندما عرفته الراهبة المسؤولة الى الصحافي في جريدة "النهار" الذي يزور البيت، قال وبذاكرة حادة: "تقصدين "نهار" لبنان (في اوستراليا "نهار" لبنانية اخرى). فسأل عن ضيعة الصحافي. ولما قلنا له انها مزيارة قال ضاحكاً: يعني جارنا نحن ابناء "المرج". أما اللقاء الثاني فكان مع طلاب الصف النهائي في المرحلة الثانوية في مدرسة "مار شربل". وتناول النقاش فيه موضوعات عدة.
ومضمون النقاش أظهر امرين. الأول، مدى نضج هؤلاء الطلاب الذين سيصبحون جامعيين خلال سنة أو سنتين. والأخر، استيعابهم القوي لنظام وطنهم الجديد، واعترافهم بنجاحه في "اقناع" المهاجرين اليه،  بالمحافظة على تنوعهم ومع احترامه، ولكن في اطار احترام الدستور والقوانين، وفي اطار الولاء الكامل له.
طبعاً لا استطيع الا أن اذكر لقاءاتي مع ممثلي الطوائف الاسلامية المتنوعة كي لا أقول المتناقضة، ولا أستطيع ان اتجاهل مشاركة ممثلي اطراف الصراع في لبنان من لبنانيي اوستراليا في كل اللقاءات التي حضرتها سواء التي اقيمت على شرفي، أو على شرف زوار آخرين كان احبهم واكثرهم حضوراً وتأثيراً وقيمة ونضجاً وحكمة مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار الذي اكد في كل كلماته واللقاءات أهمية الولاء للبنان وأهمية الدولة المدنية فيه وضرورة نبذ البغض والحقد. ولا استطيع الا ان اذكر بالخير جمعية الصداقة المسيحية – الاسلامية  الاوسترالية التي تعمل في استمرار من أجل مصلحة لبنان والعيش المشترك فيه.
اما ما لن أنساه ابداً فهو لقائي أهلي في مثلث مزيارة – حميص – حرف مزيارة، وأهلي في زغرتا الذين انقطعت عنهم حتى داخل الوطن أي لبنان لأسباب متنوعة. فقد أحاطوني بعاطفة متميزة ضاعفت تصميمي على الاستمرار في العمل وفي النجاح.
أما ما أسعدني فكان نجاح زيارتي في تحريك الجالية اللبنانية المتنوعة في اوستراليا على ما قال ممثلو اعلامها الناجح والقوي. وكان ايضاً ملاحظتهم ان "لغتي" كانت واحدة في كل اللقاءات. وذلك ما لم يتعودوه. وكان اخيراً فرحهم باستقلاليتي وموضوعيتي وعلمانيتي رغم ان بعضهم يرفضها دينياً، وتقديرهم واقعيتي المتمثلة بالاكتفاء بالدولة المدنية الى ان يتيسر الغاء الطائفية بكليتها.
في اختصار دعوت هؤلاء اللبنانيين إلى اطلاع اخوانهم في لبنان على نظام بلادهم اذ ربما يكون فيه ما يصلح انموذجا والى التعامل مع كل من يحاول نقل امراض الوطن اليهم او بالاحرى تعميقها لأنها موجودة بقسوة. فذلك يجهز على لبنان ويعرض المنتشرين منه في اوستراليا وغيرهم من دول العالم الى التشكيك في ولائهم وتالياً الى استهدافهم.
في النهاية أشكر الجميع الذين اعتبروا تكريمي بمنحي جائزة جبران العالمية الى جانب "مطران الكاثوليك" بل لبنانيي اوستراليا كلهم تكريماً لـ"النهار" أيضاً ولعميدها غسان تويني الذي زارها قبل عقود، ولشهيدها جبران تويني الذي زارها في التسعينات وأشكر زملائي في مهنة البحث عن المتاعب حتى الاستشهاد وتغطيتهم "المُحبّة" والمبالغ فيها ربما لزيارتي. وابدأ اعتباراً من يوم غد نشر حصيلة جولتي الاميركية.

 قوى الرابع عشر من اذار في سدني تكرم الكاتب والمحلل السياسي الاستاذ سركيس نعومhttp://www.farah.net.au/article/akhbareljalieh/16355/



(Votes: 0)