Keyword: From Date: To Date:

إذا كانت مؤامرة، فلماذا الإصلاح إذن؟

| 30.03,11. 01:54 AM |


إذا كانت مؤامرة، فلماذا الإصلاح إذن؟

علي الصراف 
 
مثلما كان العقيد معمر القذافي يعزف على نغمة "القاعدة" للتنديد بالانتفاضة ضده، تعزف السلطات السورية على نغم "المؤامرة" التي ينفذها "الأصوليون" للتنديد بالإنتفاضة ضدها.
سوى ان نغمات العقيد لم تلق آذانا صاغية، بينما نغمة "المؤامرة" الأصولية تلقى قبولا أكثر في الغرب، واستعدادا للتواطؤ مع القمع هذه المرة.
والسبب لا يتعلق بالأحرى بجدية النغمة. فالكل يعرف ان السلطات السورية لن تعثر لا على أصوليين يقفون وراء الانتفاضة ولا على مؤامرة، إلا ان الغرب، وبعض دول المنطقة تريد أن ترى نهاية لمسار الانتفاضات العربية.
والاعتقاد الراسخ، في وزارة الخارجية الأميركية (عدا دوائر الإدارة الأخرى) هو إن هذا المسار يجب أن يتوقف لكي لا تجد الولايات المتحدة نفسها أمام "شرق أوسط" آخر تكاد لا تعرفه.
وكان يمكن لحظ العقيد القذافي أن يكون سعيدا أكثر ليفوز بالاستثناء (وتوقف المسار) لو انه لم يكن قبيحا وسافلا مع شعبه.
وكان يمكن للحظ أن يحالف "الرفيق" بشار الأسد، فيتوقف مسار الانتفاضات بين قدميه، لو أن هذه الانتفاضات كانت تراهن على دعم الغرب، أو لو أنها كانت مدفوعة بـ... مؤامرة خارجية بالفعل. ولكنه يعرف، كما نحن نعرف، إنها مدفوعة بعوامل القهر والظلم والفساد التي يستطيع "الرفيق" بشار الأسد أن يرى إن نظامه بها "شاطر.. شاطر".
وعدا عن إن المرء سيظل من حقه أن يرى دلائل "المؤامرة" وبراهينها المادية (شرط ألا تكون سخيفة كحكاية العثور على أسلحة في المسجد العمري في درعا)، فان السؤال الذي لا مفر منه هو: إذا كانت القصة وراء انتفاضة عشرات المدن والبلدات والقرى هي مؤامرة، فلماذا الإصلاحات إذن؟ ولماذا تقديم التنازلات لـ.. "المؤامرة"، بإطلاق سراح (بعض) المعتقلين السياسيين، والإعلان عن إلغاء حالة الطوارئ؟
ولكن السؤال الأكثر تعقيدا هو إن نظاما يقدم تنازلاته لما يعتبره "مؤامرة" كيف يمكن الثقة به؟ وكيف يمكن ضمان إن "تنازلاته" (تحت ضغط المؤامرة) لن تكون هي نفسها مؤامرة على الشعب الذي هب بالملايين ليطالب بالإصلاح، وبالقضاء على الفساد، واحتكار السلطة؟
ولكن، ثمة ما لا يراه الأسد، ولا المتآمرون من حوله على إرادة شعبهم. وهو إن الإصلاح:
1ـ لا ينتظر دعما من الخارج.
2ـ دافعه قهرٌ مقيمٌ في الداخل.
3ـ إن الانتفاضة السلمية أكثر فاعلية من الانتفاضة المسلحة،
أـ لأنها تعري آلة الوحشية.
ب ـ ... تحرم تلك الآلة من مبررات القتل العشوائي.
ج ـ ... تكشف مدى عزلة النظام وخواء إدعاءاته الشعبية.
د ـ ... تجبر النظام على تقديم تنازلات إضافية تأكل في النهاية من جرف غطرسته وفساده.
وثمة ما لا يراه الطغاة عادة. ففي كل الانتفاضات العربية الراهنة، كان ثمة شيء لا أكثر منه جلاء. وهو إن حاجز الخوف سقط. ولن يعود بإمكان أحد الرهان عليه. ويعني ذلك إن جهاز القمع الذي كان يمثل العمود الفقري للنظام، هو الذي سقط، وإن نظام الخوف لم يعد يخيف أحدا.
ومن دون عمود فقري يعتمد على العنف والقسوة، فإن الدكتاتوريات سوف تتحول الى كائنات "غير فقرية" أقرب الى ثعبان السمك الذي يأكل بجلده وخياشيمه بدلا من أكل الجثث.يعني ذلك ان أنظمة الإستبداد الشرقي ستكون حيوانا مختلفا، غير ذلك الوحش المخيف السابق. وما هي إلا مسألة وقت قبل أن تشعر هذه الأنظمة انها فقدت مبرر وجودها، وسقطت كليا من أعين الناس.
وبينما وجد الناس ما يتضامنون به مع أنفسهم، وبينما وجدوا آصرة حرية تشدهم الى بعضهم، فان نظام الفساد لن يجد كثيرين يتضامنون معه، وآصرتهم تظل آصرة فساد، يُعرّيها فقر مجتمعهم نفسه.
ولا رادَّ للطوفان الذي أغرق الوحشية، وكشف وضعها المفضوح والمفارق في عالم لم يعد يطيق سياسات قبيحة وأعمال جرائم بلا حدود، وانتهاكات تمارس في "حارة كل مين إيدو إلو".
العالم يتغير. والناس يتغيرون. ومداركهم تتفتح على أفق مختلف.
لا تستطيع، وأنت لا تجد مفرا من الفضائيات المفتوحة ووسائل الاتصال والتعبير المتعددة، أن تمارس أشكال القمع التي تلائم عقليات ضبّاطك المتخلفة.
لا تستطيع، والعالم (حتى ولو لأغراض النفاق المجرد) يتحدث بحقوق الإنسان وينوع منظمات الدفاع عنها، أن تواصل الانتهاكات على الوتيرة ذاتها التي تلائم مداركك العقلية الضيقة.
ولا تستطيع أن تكون أعمى حيال ما يتغير في الثقافة العامة أيضا. فالحريات الفردية تتحول الى قيمة كبرى. ومصارع الاستعباد التي كانت تتلائم مع ثقافة القطيع (بما فيه قطيع الدوافع الأيديولوجية المشتركة) لم تعد تشتغل.
لقد تركنا وراءنا عالم الهتافات والشعارات التي تحرك "الجماهير".
1ـ لأن أنظمة الطغيان التي قامت على أساس "الجماهير" لم تُحبط أحدا أكثر مما أحبطت الجماهير.
2ـ لقد ظهر للجميع خواء الشعارات والإيديولوجيات الثورية التي جلبت الطغاة الى السلطة.
3ـ لأن أحزاب الجماهير لم تثبت وهي في السلطة، سوى أنها عصابات فساد وجهل.
4ـ الفشل التنموي لم يُبق للجماهير ما تتطلع اليه كمجموع.
5ـ جانب كبير من قدرة السلطات الدكتاتورية على البقاء جاء من خروج الأفراد من دائرة الجماهير الى دائرة البحث عن خلاص فردي. وهذا هو السبب الذي ترك الأوباش 20 و30 و40 سنة في السلطة. فالأفراد (وهم يبحثون كل عن خلاصه الخاص) لم يجدوا في أنفسهم القدرة لا على التنظيم ولا التوصل الى مطالب "مشتركة". واحتاج الأمر عقودا من الزمن لكي ينتج الخارجون من رحم "الجماهير" جيلا جديدا من المحرومين لا يأبه بماضي آبائهم، كما لا يفهم سبب قبولهم العيش في ذل وخوف و.. أيديولوجيا.
لقد قتل الطغاة "الجماهير" لنتفكك الى مجتمعات "أفراد". ولكن دارت الدائرة على الطغاة بما قتلوا.
فالأفراد أكثر إثارة للعواصف، كما سيثبت محمد البوعزيزي. فهذا لم يلحق أن أحرق نفسه (كفرد) حتى أدرك كل فرد (من أقصى العالم العربي الى أقصاه) إن فيه من المرارة ومن مشاعر الظلم ما يجعل الحياة والموت سيّان.
فهبوا. ولم يسقطوا طاغية واحدا فقط، وانما أثاروا عاصفةً ما يزال يمكنها أن تعصف بكل طاغية آخر.
هذه العاصفة لن تموت، ولن تهدأ.
يخطئ الحساب كثيرا من يظن عكس ذلك.
فليس لأن الرفيق بشار الأسد، بثقافته الجماهيرية البليدة، وبوسائله الاستخباراتية الأكثر بلادة، يستطيع أن يزعم وجود مؤامرة، فتسقط العاصفة.
العاصفةُ موجودةٌ في الظلم والحرمان الذي يشعر به كل فرد. والعاصفةُ موجودةٌ في "المشترك" بين كل فرد يرى في نفسه محمد البوعزيزي آخر.
هذه العاصفة لن تهدأ، إلا بنظام للعدالة والمساواة؛ وإلا بنظام يضمن الحريات ويصونها ويؤمن بها.
فإذا كانت "إصلاحات" الرفيق بشار "مؤامرة" على "المؤامرة"، فانه بالأحرى، لن يخدع بها إلا نفسه.
ما دفع الملايين الى المطالبة بإسقاط النظام في سورية، لم يكن مؤامرة من أحد في الخارج. ولا حتى مؤامرة تنظيمات (لا وجود لها في الداخل). لقد كان مؤامرة دبرها نظام القهر والقمع والفساد ضد مجتمع أفراد، وجدوا أنفسهم عزل، ووجدوا بحثهم عن "سبيل فردي للخلاص" يدور في حلقة مفرغة، ووجدوا إنهم يستطيعون (من دون الحاجة الى تنظيمات ولا أحزاب ولا إيديولوجيات) أن يصرخوا: لا، وكفى.
ومن يهون عليه أن يحرق نفسه بسبب القهر، يا رفيق بشار، ليس بحاجة الى أسلحة، ولا الى مؤامرة، ولا الى دعم خارجي.
أفهل فهمت؟
أفهل لاحظت طبيعة المنعطف الذي تقف عليه مؤامرتك ضد شعبك؟
هل يمكن لعاصفة القهر أن تتوقف، ما لم يتوقف القهر نفسه؟
لا شك لدي إنك لم تفهم فرق المعادلة بين "الجماهيري" الذي قتلته، وبين "الفردي" الذي نشأ بالقهر والظلم والحرمان. ولا شك لدي انك لن تفهم فرق الاحتياجات والمطالب بين هذا وذاك. وإلا لكنت أصدرت على الفور قرارا بحل كل أجهزة الأمن والمخابرات التي وُجِدت لتطويع "الجماهير" والكتم على أنفاسها. ولكنك، مع مرور الوقت، ستفهم.
ستفهم إن كل مخابرات بن علي لم تنقذه من "فردٍ" (أعزل إلا من كرامته) قرر، في ساعةِ ظلمٍ كظلمك، أن يحرق نفسه.
وساعتها سوف يسألك كل الناس، كل الناس:
ـ إذا كانت "مؤامرة"، فلماذا الإصلاحات إذن؟
ـ وإذا كانت "الاصلاحات" مؤامرة على "المؤامرة"، فكم هي إصلاحات فعلا؟ ومن هو المتآمر فعلا؟

وطن

 

ويكيليكس يفضح .. بشار الأسد وكذبه في سورياhttp://www.youtube.com/watch?v=khojWeFWJM0&feature=related

 



(Votes: 0)