Keyword: From Date: To Date:

عزت صافي يتذكّر كمال جنبلاط .. الإنسان

| 17.03,11. 12:30 AM |

 

عزت صافي يتذكّر كمال جنبلاط .. الإنسان

 

 
16 آذار, 2011

 

في ذكرى استشهاده الـ 34 وفي زمن يجرف انسان هذا العصر بمغريات مادية غريبة تشوه "المعايير الثابتة للانسان" نستذكر كمال جنبلاط من خلال تراثه الفكري القيّم وتجربته الشخصية، التى تخطى من خلالها الحدود الضيقة التي لم تقيده باسوار قصره وطائفته وبلده، محذراً من " السجن الكبير الذي دخله عالمنا العربي منذ اواخر القرن الماضي.

تصادف ذكراه هذا العام مع ثورات عربية هزت عروش الحكام ، معبرة عن وعي كبير للشارع المنتفض، الذي خاطبه كمال جنبلاط ودعاه مراراً الى دفن الانسان التقليدي الغرائزي القديم وبعث الانسان الجديد . ويتذكر الصحافي والكاتب عزت صافي كما جنبلاط ، الذي رافقه طيلة حياته في مكاتب الانباء وفي قصر المختارة في الايام البيض والسود ويقول" لو وصلت افكار كمال جنبلاط في التقدمية والاشتراكية الى العالم العربي الذي تلحفت انظمته بالاشتراكية بعيداً عن شعوبها وحقها في الحرية لما وصلت الامور الى ما آلت اليه"

يعتبر صافي ان كمال جنبلاط تخطى طائفته، ليس بمعنى انه خرج منها انما بالبعد الثقافي والحضاري والسياسي، فنجح في استثمار شعبيته تحت راية جديدة، راية الحزب التقدمي الاشتراكي الذي اخترق كل الطوائف والمناطق فور تأسيسه. كما اخترق  بشخصيته المميزة المدى العربي، من خلال اقامة علاقات بالاحزاب الاشتراكية العربية، في العراق وسورية والمغرب، بالاضافة الى ثقافته التي بدأت تتكون في المرحلة الثانوية ، وتبلورت اثناء دراسته في فرنسا حيث اطلع على تاريخ التجربة السياسية والاحزاب الاشتراكية.

وفي مطلع العام 1949 جح في ارساء نظريته في التقدمية الاشتراكية بطابعها الانساني التى وصفها صافي بالفاصل الواصل ما بين القومية العربية ذات الطابع اليساري والاشتراكية الشيوعية الماركسية التي ما لبثت ان تحولت ستالينية . ويعتبر صافي ان سقوط الاتحاد السوفياتي ، الذي كان يجمه كل هذه الثقافات والشعوب في قالب واحد فيها كانت الحريات معدومة بالكامل ، والدول التي نشأت من بعد سقوطه طبقت الاشتراكية ولو لم تنشأ تحت رايتها وفيها مجال من الحرية والانفتاح، يثبت نظرية كمال جنبلاط في التقدمية الانسانية والمختلفة بابعادها ومنطلقاتها  واهدافها . والامر ينطبق كذلك على الانظمة العربية التي سقطت وتسقط فيما تنفذ جرائمها تحت راية الاشتراكية. ويقول صافي ان الاحداث اليوم تأتي لتؤكد نظرة كمال جنبلاط ولو وصلت افكاره الى العالم العربي لما وصلنا الى هذا الحد من يأس الشعوب وما كانت اسرائيل ادعت بانها الديمقراطية الاوحد في الشرق الاوسط.

تميز كمال جنبلاط بحياة غنية متنوعة على بساطتها ويقول صافي " كانت غرفتي في قصر المختارة افضل من غرفته"، وكان يأكل من الطعام اللبناني القديم وما كان يهمل خصائص الجسد او صحتحه الا في وقت الازمات الكبيرة، وكان يقول عن السياسة انها "شغلة" ولا يصرف لها الكثير من وقته، الا انه على تماس دائم مع هموم الناس  ومشاكلهم ومد الجسور الثقة بينه وبين القاعدة، ويضيف صافي انه عندما كان يخاطب الآلالف لم يكن بحاجة الى شهادة ليؤكد للناس بانه منهم. وكان يثق  جداً بنفسه  وبسلوكه وعندما يشعر بانه اخطأ كانت لديه الجرأة بنفس الوقت ان يعترف بخطئه، وكان شديد الحرص على الحق العام وعلى تحريض المواطن اللبناني والعربي على ان يعرق حقوقه.

ترك كمال جنبلاط تراثا فكريا قيماً وكان من ابرز كتبه " أدب الحياة" والذي نقل فيه سلوك القرية واخلاق وآداب القرية، ببعد روحاني وحضاري، وكان يخاطب فيه  نفسه قبل ان يخاطب اي احد آخر، ويروي صافي انه لم يره يوماً جالساً واضعاً" رجل فوق رجل"، او تكلم بشكل جارح ولو كان يعرف حتى ان من يكلمه لا يستحق الاحترام. فأدب الحياة فيه الكثير من اخلاقيات القرى، التي لم يتعلموها في مدرسة، انما هم جماعات تتشارك مآتمها وافراحها ، تسهر وتتصاهر، والاحترام الكبير امر مهم جداً بالنسبة لهم، حتى انهم يكلمون خصمهم باحترام. الا ان صافي يعود ليقول بغضة كان هذا قبل الـ 75، فالحرب زعزعت السلوك، وكان المطلوب حينها، مين يحارب". والمسلح "ما بيخضع للجنة اختبار"، المهم ان يتقن حمل السلاح. وبعدما كانت الحرب تحمع نيارات يسارية ووطنية وعلمانية تريد الاصلاح وبناء الدولة تحولت الى ميليشيات طائفية تعيث فساداً. ارتكبت ما ارتكبته باسم الاحزاب الوطنية الاشتراكية ،" الحرب الداخلية  تزعزع كل قيم واخلاقيات" يقول صافي.

وكان كمال جنبلاط  يتميز بانه يقرأ بصوت مرتفع وكأنه يخاطب نفسه، وكذلك عندما يكتب كان يخاطب الناس بطريقة غير مباشرة ، مع العلم انه كان شديد الاحترام لكبار العلم والنفس، وما كان ليهمل الآخرين ولكنه كان يكره اذلاء النفس، من اجل مال وسلطان، ومن هنا كان يعتبر ان الديمقراطية في البلدان المختلفة لا معنى لها، فهؤلاء المدمنون على الرشوة والفساد والذل بامكانهم ان يسقطوا الشخص المناسب والنظيف ليختاروا السيىء. وهنا  كان يشدد على اهمية القانون والنزاهة والقاضي كأساس للنظام الديمقراطي الاشتراكي واساس الدول الديمقراطية  الناجحة والدول الرأسمالية الناجحة. فحتى المال يستثمر في الدول التي تتمتع بقانون ومحاسبة. وكان حريصاً على جيل الشباب الذي حاول ان يخاطبه قائلاً " عايشنا جيلا من الناس في اواسط عمرنا، اغرته مفاهيم سطحية كثيرة كالديمقراطية والسيادة الشعبية، والتقدم والتحرر والاشتراكية والثورة وسواها، ولم ننفذ الى حقيقة هذه المعايير والمفاهيم، فأضحى يهيم على وجهه ، يطلب هذه الاشياء، كما برزت له في سطحيتها، فلا يجدها، وهي في الواقع معضلة شباب عصرنا وشباب العالم".

صدى البلد 



(Votes: 0)