Keyword: From Date: To Date:

أربعة أعوام من جلاء القوات العسكرية السورية عن لبنان

| 27.04,09. 11:51 AM |

أربعة أعوام من جلاء القوات العسكرية السورية عن لبنان



أربعة أعوام مرت على رحيل الجيش السوري بعتاده وعديده عن لبنان بعدما حل لما يقرب من ثلاثين عاما في ربوعه؛ من شماله وشرقه وغربه إلى بعض جنوبه، مراكز عسكرية وأمنية وأسلحة خفيفة وثقيلة وجنودا وضباطا تآلف اللبنانيون معهم وألفوا مشاهدتهم رغم اعتبار بعضهم لهم قوة احتلال والبعض الآخر جيشا صديقا. ففي السادس والعشرين من نيسان \  أبريل 2005 وبعد 71 يوما من اغتيال الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري وما جره من استقالة لحكومة الرئيس عمر كرامي ودعوات بتسريع تطبيق القرار الدولي 1559 الآمر بإخراج القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات خرجت القوات السورية من لبنان.
أربعة أعوام شهدت أحداثا سياسية وعسكرية لم يشهدها لبنان بمثل هذه الكثافة منذ انتهاء الحرب الأهلية. فالجيش السوري كان المناط بالأمن في البلاد بعد إسقاط آخر ترسانات الممانعة في قصر بعبدا أواخر عام 1990 ونفي قائد الجيش اللبناني السابق ميشال عون وأركان حكومته العسكرية عقب ما يسمى بحرب التحرير التي أرست نتائجها النهائية حكم الطائف تحت التفويض السوري الكامل على لبنان والبركة العربية والدولية. فكانت بعدها  "ترويكا" الحكم الشهيرة في لبنان ممثلة بالثلاثي: رئيس الجمهورية الياس الهراوي ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة رفيق الحريري. 
 
خرجوا.. لم يخرجوا

أربعة أعوام رسخت فراقا سياسيا غريبا بين السنّة والشيعة لم يظهر في أي من المراحل السابقة في مقابل تفاهم شيعي مسيحي قوامه حزب الله والتيار الوطني الحر، وتفاهم سني مسيحي قوامه تيار المستقبل ومسيحيو 14 آذار وفي مقدمهم القوات والكتائب اللبنانية. دون ان نغفل عن الدور الذي لعبه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حليف السوريين والشيعة السابق مع فريق 14 آذار وتبنيه قضية الرئيس الراحل رفيق الحريري وتحالفه مع ابنه سعد. وكذلك سلوكه خيار المصالحة مع جناح حرب الجبل الآخر -بالإضافة إلى الحزب التقدمي الإشتراكي الذي يرأسه جنبلاط- وهي القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع وتواجده شخصيا أو ممثلا في احتفالات للقوات اللبنانية.

تلك التفاهمات رسخت وبشكل متين الإصطفافات السياسية في لبنان حتى بات إسما 14 آذار و8 آذار معروفين حول العالم وبسماتهما الطائفية وقواهما السياسية والحزبية.


لم نعد نسمع بقصر المهاجرين وريف دمشق ولا بجهاز الأمن والإستطلاع وعنجر ولا بغازي كنعان ورستم غزالي ولا بجامع جامع وجمال أبو جمال أو غيرهما من الضباط السوريين الذين كان مجرد ذكرهم يثير الرعب لدى البعض وكذلك الشعور بالقوة لدى آخرين. لكن الإصطفافات اللبنانية جعلت الإتهامات جاهزة في كل حدث تشهده البلاد سياسيا كان أم عسكريا وتم فرز الإتهامات الأكبر بين "عمالة أميركية" وأحيانا "إسرائيلية" و"محور سوري إيراني". وجعلت الإختلافات أكبر بين دول "اعتدال" وفريق "ممانعة"، وقبلات ودعوات عشاء مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس وافتخار بالإنضمام إلى "حزب ولاية الفقيه"، و"خطوط حمراء" لنهر البارد وأخرى للجيش اللبناني، وثقافة "موت" وثقافة "حياة"، وثقافة حياة أخرى بشروط وصيغ مختلفة وصولا إلى الإنقسام بشأن أمور أبعد من لبنان كما هو الحال في الموقف من حماس وفتح.

كل ذلك ظهر بعد انفلات لبنان إلى الحرية وخروجه إلى الممارسات الديمقراطية الخالية من أي قيد سوري أو شرط- مع التشديد على أنّ كثيرا من اللبنانيين يؤكد على الدور الفاعل لسوريا حتى اليوم. خروج سوري حمل اتهامات ما زالت مفتوحة على مصراعيها في كل حدث أمني شهدته السنوات الأربع.  
 
أمن مفقود وأصابع ممدودة

بعد خروج السوريين من لبنان اتجهت الأنظار إلى المنافي والسجون فعاد إليه عدوهم الأول ميشال عون عرّاب القرار 1559 الداعي لخروجهم فاستقبلته جماهير 14 آذار، ورحبت بقاعدته الشعبية الكبيرة، لكن عون لم يصمد أكثر من إنتخابات نيابية واحدة لم يشارك في حكومة السنيورة المشكّلة جراءها حتى خرج وانضم إلى الفريق الآذاري الآخر عبر ورقة تفاهم مع حزب الله تحولت فيما بعد إلى أكثر من مجرد تفاهم.

وخرج كذلك عدو آخر للسوريين هو سمير جعجع قائد القوات اللبنانية التي حلت بغيابه 11 عاما. وكانت مبادرة عون بزيارة جعجع في سجنه، والشكر الذي قدمه جعجع لعون في جملة من شكر في أول خطاب له في المطار بعد خروجه فيما بعد بشارة خير لقوى 14 آذار. لكن عون وجعجع كانا يؤديان واجبات استقبال وزيارة لا أكثر يومها فقد تمت إجراءات "الطلاق الماروني" بعد ذلك بأشهر معدودة.

عودة "الجنرال" وخروج "الحكيم" هما أبرز الأحداث السياسية التي أعادت تشكيل الساحة المسيحية، بعد خروج السوريين من لبنان، بين الخطين الآذاريين من أكبر حدث إلى أصغره؛ من معارضة سلاح حزب الله و"انفراده" بقراري السلم والحرب، والمحكمة الدولية، والمطالبة بإسقاط الرئيس (السابق) إميل لحود إلى الإنتخابات النيابية وقوانينها إلى الحكومة ومعارضتها وصولا إلى أصغر اختراق أمني.

منذ ذلك التاريخ وبنظرة سريعة على أبرز الأحداث فقد شهد لبنان عدوانا إسرائيليا عام 2006 لم يشهده منذ إجتياح العام 1982، فكانت الحرب الأولى بلا جيش سوري- متفرج كما في عامي 1996 و1993. لكن سوريا هذه المرة استقبلت عشرات آلاف اللبنانيين الهاربين وفتحت حدودها رغم الإختلاف السياسي واتهامها باغتيال الحريري وخروجها من لبنان على وقع القرار 1559، ومطالبتها بالمعتقلين اللبنانيين في سجونها وبترسيم الحدود بين البلدين.

وشهد لبنان كذلك انتشارا كثيفا لحمى التظاهرات والإعتصامات والإغتيالات ومحاولات الإغتيال والتفجيرات. أغتيل أعضاء وقياديون في 14 آذار أبرزهم جبران تويني وبيار الجميّل ووليد عيدو وأنطوان غانم. وكان كل حدث أمني يستدعي المقارنة مباشرة بين مرحلة الأمن السابقة أيام السوريين والآنية مع وقوع الإختراقات. وكذلك فاقت الإتهامات كلّ حد تتوجه إلى سوريا بتنفيذ الإغتيالات ودعم "الإرهاب" في أحداث نهر البارد أما حلفاء سوريا فقد كانوا يشيرون إلى دعمها للجيش اللبناني في مواجهة فتح الإسلام بالذخائر والمعلومات.

وجلس اللبنانيون على طاولة حوار واحدة أكثر من مرة فاشلة حتى وصلوا إلى اتفاق الدوحة "يأمرهم" بانتخاب ميشال سليمان رئيسا بعد معارك على الأرض هذه المرة بين فريقي المعارضة و14 آذار في أيار\ مايو 2008 وتشكيل حكومة وحدة وطنية هشة تنهي إعتصام المعارضة وتنتظر الإنتخابات النيابية الجديدة بعد عام من أيار الدامي.

ميشال سليمان افتتح عهده بتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا كما لم تكن من قبل فافتتحت السفارتان في بيروت ودمشق. وكانت الزيارة التي قام بها إلى دمشق بعد انتخابه بأقل من ثلاثة أشهر تؤكد كما تأكيداته اللفظية كل مرة على "الروابط الأخوية مع سوريا ورئيسها".

في السادس والعشرين من نيسان\ أبريل 2005 خرج السوريون بجيشهم وأمنهم دون عمالهم من لبنان وهم لم يعتادوا خلال ثلاثين عاما على تركه كذلك. هل انتهى الدور عند هذا الحد؟ أم إنّ التاريخ اللبناني يتكرر دائما؟ طبعا هنالك الكثيرون ممن يتمنون عودة السوريين وكثيرون كذلك من يمكنهم أن يتأقلموا مع كل وضع جديد بسوريين أم بسواهم. وهنالك من عارضهم سابقا وما زال يعارضهم الآن، وهنالك من كان حليفهم سابقا وما زال حليفهم الآن.

 إيلاف



(Votes: 0)