Keyword: From Date: To Date:

الذكرى الخامسة لاستشهاد جبران تويني وعلامات الاستفهام هي هي

| 09.12,10. 11:14 PM |

 

الذكرى الخامسة لاستشهاد جبران تويني وعلامات الاستفهام هي هي

 

بيار عطاالله

لا يدرك المرء مدى الحاجة الى المحكمة الدولية الا متى اطلع على ملف الشهيد جبران تويني لدى القضاء اللبناني ليدرك مدى الظلم والاجحاف اللاحق بهولاء الشهداء، ذلك ان الملف يكاد يكون فارغاً الا من بعض الاوراق والمراسلات والافادات التي لا تقدم شيئاً ولا تفيد في الاشارة الى العدالة في تلك الجريمة المروعة التي اغتالت احد اعمدة الاعلام في لبنان ورمزاً متقدماً من رموز الشباب. وحال ملف جبران تويني في هذا الشأن لا يختلف عن ملف بيار الجميل وانطوان غانم وسمير قصير وجورج حاوي وفرنسوا الحاج ووسام عيد وكل قافلة شهداء الاستقلال الثاني الذين وقفت العدالة اللبنانية عاجزة عن حل طلاسم اغتيالهم واحاجيها المركبة، مما يستدعي حكماً تدخلاً يفوق قدرة قوس العدالة اللبنانية على ادارة التعامل مع ملفات وشؤون كهذه.

في الذكرى السنوية الخامسة لاستشهاد جبران تويني ترتسم علامات استفهام كبيرة حول طبيعة هذه الجريمة، وحقيقة ما جرى ومن يتحمل مسؤولية سفك الدم البريء؟. لكن رغم كثرة الاسئلة وحراجتها ودقتها، الملف فارغ تماماً وينام في الادراج نومة اهل الكهف، ولولا بعض أمل في العدالة الدولية لأمكن القول ان دم جبران تويني ورفاقه سفك هدراً ولا من يهتم ولا من يسأل.

انتقل ملف جريمة تويني من يد قاضي التحقيق العسكري رشيد مزهر سابقاً، الى قاضي التحقيق العدلي جهاد الوادي لينتهي بين يدي قاضي التحقيق العدلي جورج كرم، والنتيجة فراغ مدوّ وشهود "اختفوا من الوجود" وتهديدات بالقتل لم يحدد مصدرها، وهو ما يشير الى جملة استحالات وممنوعات تقف سداً منيعاً امام كشف الحقيقة بواسطة القضاء اللبناني، وهذا ما يشير اليه محامي آل تويني الوزير والنائب بطرس حرب الذي يتولى ادارة الملف في انتظار جلاء امر ما في لغز جريمة اغتيال تويني.

ويقول حرب: "الجريمة نفذت بإتقان وما من دليل واحد في الملف سوى رسائل التهديد والوعيد والانذارات التي تلقاها جبران عبر بريده الالكتروني او تلك التي وصلته عبر أرملته سهام عسيلي قبل اغتياله، ولما كان القضاء اللبناني عاجزاً عن التعامل مع هذه الادلة لكشف مصادرها نظراً الى التقنيات الحديثة التي تحتاج اليها، فقد ارسلت هذه الادلة الى لجنة التحقيق الدولية للتعامل معها وتحديد هوية اصحابها ومن ورائها، وخصوصاً ان عملية الاغتيال اعقبتها مباشرة".

ويأسف حرب لأن خمس سنوات مضت على الجريمة ولا جواب من القضاء اللبناني ولا من اللجنة الدولية عما تعرض له جبران تويني، والاجابة الوحيدة ان الابحاث لا تزال متواصلة ولم تحدّد هوية اي كان ولا البحث في نوعية المتفجرات ومصدرها كما مصدر السيارة الجانية وهويتها ومن وراءها.

"الجرائم المتلازمة"

الى هنا تبدو القضية عالقة في متاهة فقد الادلة والاحتراف العالي في ارسال التهديدات وتنفيذ الجريمة، مما يؤدي حكماً الى طريق مسدود، ويشرّع الباب امام ما يصفه الوزير بطرس حرب بـ"الجرائم المتلازمة" وذلك لجهة ارتباط اغتيال تويني بجريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، الامر الذي يؤهل لجنة التحقيق الدولية ورئيسها دانيال بلمار للربط بين مجموعة من جرائم الاغتيال بعد صدور القرار الظني ويتيح الفرصة لادخال جريمة تويني في اطار المحكمة الخاصة بلبنان لاقتفاء الادلة في جرائم الاغتيالات جميعاً. اما اذا لم يدخلها بلمار في هذا الاطار فستبقى جريمة تويني في عهدة القضاء اللبناني، وهنا يشرح حرب ان قاضي التحقيق العسكري السابق رشيد مزهر استمع الى عدد من اللبنانيين والسوريين، واوقف احدهم للاشتباه في أنه يملك معلومات ما، ثم عاد واخلى سبيله بعد حين قبل ان تنطلق اعمال المجلس العدلي الذي احيلت القضية عليه لتدخل في غياهب النسيان اسوة بالجرائم الاخرى المحالة عليه منذ 2005.

الشهود اختفوا !

والمفارقة في ملف الشهود في جريمة تويني ورفاقه، على ما يروي حرب، ان استنابات صدرت الى قوى الامن الداخلي منذ مدة لجلب بعض الشهود اللبنانيين والسوريين للاستماع اليهم مرة جديدة، لكن القوى الامنية لم تتمكن من العثور على هؤلاء، ولا تمكنت تالياً من ابلاغهم علماً ان بعضهم كانوا على صلة مباشرة بمسرح الجريمة، والاستماع اليهم او توقيفهم قد يوضح عدداً من النقاط في ملف الجريمة.

ويشير حرب الى مسألة ثانية، تتمثل في ما يصفه بـ"الاشاعات والتشويش على التحقيق القضائي ومحاولة اختراقه بروايات اعلامية وسيناريوات صدرت عن هذه الوسيلة الاعلامية او تلك، وخصوصاً ممن عرفوا جبران وناضلوا الى جانبه". ويتحدث تحديداً عن رواية تأجير سيارة تويني من الغير والتي كان يستقلها لحظة اغتياله. وفي رأي حرب، واستناداً الى التحقيقات الميدانية، ان ما قتل جبران كانت سيارة ركنت الى جانب الطريق وانفجرت لحظة مروره، وليست عبوة وضعت في سيارته، لأنه لو كانت تلك الرواية صحيحة لانفجرت السيارة في أي مكان وليس في هذا المكان بالضبط.

"جهة واحدة نفّذت"

ويتوسّع حرب في الشرح مشيراً الى "أن القضاة اللبنانيين لم يتمكنوا من السير بالتحقيق انطلاقاً من المعلومات المتوافرة عن الاغتيال بالذات، وكان جوابهم ان لا معلومات لدينا وتالياً اسقطوا في يدهم. ويرى ان مسار التحقيق اللبناني "لن يؤدي الى نتيجة لأن ثمة مؤامرة محّكمة قررتها ونفذتها جهة واحدة واستهدفت شخصيات لبنانية عدة بدءاً من مروان حماده الى آخر لائحة الشهداء، بدليل آلية التفجير المترابطة او المتقاربة في شكلها ووسائلها. وثمة سؤال كبير اطرحه على نفسي دائماً، وفحواه هل ستمر جرائم الاغتيالات هذه دون عقاب؟ وهل يفلت المجرمون من العدالة بسبب التجاذب السياسي الكبير حول مسلسل الجرائم الذي انطلق منذ اغتيال رفيق الحريري؟ ما يجري مدعاة للتساؤل عن قيم مجتمعنا وما اذا كان يقبل الانحراف عن المبادئ الاساسية التي تنظم حياة المجتمعات الانسانية وعلاقة الناس في ما بينهم لجهة اقامة العدل واحترام سلطة القانون، وكيف يمكن السياسة ان تعطل مسار تحقيق عدلي في جريمة طالت مسؤولين سياسيين ومواطنين لبنانيين".

إسكات جبران

يجزم حرب ان ثمة رابطاً كبيراً بين اغتيال رفيق الحريري وجبران تويني والجرائم الاخرى، وفي رأيه أنهم لم يقتلوا لأسباب شخصية بل لاسباب سياسية تتصل بموقفهم من النظام القمعي الذي كان قائماً ومطالبتهم بإسترداد القرار الوطني ورفع الوصاية وخروج الجيش السوري. ويشدد حرب على ان كلامه هذا لا يعني توجيه الاتهام الى اي طرف، "لكن هذه العناصر تشير الى قاسم مشترك بين كل هذه الجرائم. والمطلوب كان اسكات جبران تويني ومقالاته ومواقفه ونشاطه ورمزيته السياسية وشخصيته الكاريزماتية الشبابية والتي كانت تشكل ازعاجاً كبيراً لمن يخالفه الرأي".

ويضيف حرب "أن المحكمة الدولية لا تحصل حق جبران تويني ولن تعيده الى الحياة، ولا اعتقد ان ورثته طلاب جنية ولا ثأر، وغسان تويني اكد تكراراً انه يريد الحقيقة لا الثأر، لكن اهمية المحكمة انها تحقق امراً واحداً اذا ما تمكنت من اداء دورها كما يجب، وهذا الامر هو استمرار مراهنة اللبنانيين على مبدأ العدالة وعلى ان النظام الديموقراطي في لبنان لن يتحول قمعياً يعتمد العنف والقتل في الحياة العامة. جبران ورفاقه قتلوا لاسباب وطنية ولا يجوز لقاتلهم ان يعتقد ان القتل مباح في لبنان، هناك مليون جبران مستعدون للموت في سبيل لبنان، ولكن هؤلاء المليون سيتصدع ايمانهم بلبنان وبكل ما آمن به جبران اذا عرفوا ان العدالة لن تتحقق ولن ينزل العقاب بقتلته خصوصاً انه سقط من اجل خطاب وطني قائم على المساواة والديموقراطية والنظام السليم والحرية".

ويختم بأن "جبران كان مسيحياً ملتزماً رغم ان نصفه درزي، وكان مؤمناً بالوحدة الوطنية ويعي انه اذا انقسم لبنان فلن تكتب له الحياة، وأدرك ان مقتل الحريري ادى الى تحول كبير لدى المسلمين السنة بحيث جعلهم يؤمنون بلبنان وطناً نهائياً واسقطوا كل الاحلام والقضايا والمشاريع التي كانت سبباً للخلاف مع اللبنانيين الاخرين، فيما تراجعت غالبية الشيعة المؤيدة تاريخياً لسيادة لبنان واستقلاله عن التعلق بمفهوم الدولة الجامعة المتنوعة القادرة على حماية كل الناس، وذلك بتأثير من ظاهرة حزب الله ونتيجة التزام ولاية الفقيه ومفهوم الامة. وعلى اللبنانيين تصحيح اخطائهم لكي يبقى لبنان مساحة حياة مشتركة وملجأ للاحرار في هذه المنطقة، يتعايشون فيها معاً في اطار متنوع وديموقراطي. وفي الخلاصة فإن العمل على عدم صدور القرار الظني يجعل الشهادات طي النسيان ليتكرس مبدأ القتل السياسي في لبنان".

النهار



(Votes: 0)