Keyword: From Date: To Date:

نقاش إشتراكي في "الجنبلاطيَّتين"

| 08.12,10. 03:14 PM |

 

نقاش إشتراكي في "الجنبلاطيَّتين"

 

بهاء أبوكروم (جريدة السفير) - قُدِّر للحزب التقدمي الاشتراكي وأعضاؤه أن يشكلوا عماداً لمدرستين ارتبطتا بركنين من أركان العائلة الجنبلاطية ورغم أن الاستزادة في التقدمية التي تجلت بمسار الجنبلاطية الأوّل تصعّب على المرء طرح هكذا إشكالية باعتبارها تقرّبه إلى العائلية منها إلى التفكّر العلمي إلا أن الواقع لا شك أدى وظيفته وأنتج مدرستين في الجنبلاطية.


كلاهما من منبت واحد ويرتكزان على أسس واحدة للفهم والتمرس لكنهما يمتلكان فوارق ملحوظة وتقدير مختلف للموقف من الأحداث والمجريات، سيما وأن 34 عاماً من عمر الجنبلاطية الثانية إذا ما احتسبت من لحظة تولي قيادة الحزب أثر استشهاد المعلم تزيد عن حقبة الجنبلاطية الأولى (27 عاماً) إذا ما احتسبت من لحظة تأسيس الحزب في الأول من أيار 1949. وفي نقاش لا يهدف إلى المقارنة وقد يتم التشكيك بموضوعيته بحكم تأثر الرأي بكلا المدرستين تبقى أطر المَعرفيّة تستدل من وقائع ودلائل مقرونة بشواهد خارجة عن الإطار الحزبي المبسّط.


من تسوية البحث إلى تسوية الباحث

ففي لحظة التقاطع بين المشهدين الرأسمالي والإشتراكي وصراع الأفكار الذي اختصر العالم بعد الثورة الصناعية وعصر العلوم الحديثة وثورة أوكتوبر أبتكر كمال جنبلاط "تسويته" الخاصة، تسوية بحثية معقدة تبعد عن مفاهيم السوق السطحية (دعه يعمل دعه يمر) بقدر ما ترفض الاستقطاب الثوري الحاد (ديكتاتورية البروليتاريا) وتقول بحريه الاختيار ودمج القيم بالمعايير الاقتصادية، فلا اقتصاد من دون انسان وإلاّ  فقد تـُدمَّر الحضارة.

كان اقتحام عالم النظريات العمودية التي وسمت النصف الأوّل من القرن الماضي بنظرية أفقية خالصة ومتحررة بمثابة رهان نظري غير مضمون النتائج سرعان ما بددته جرأة كمال جنبلاط ورفاقه على الدخول في النقاش الفكري متسلحين بمعرفة تقوم على الاستقصاء والبحث، جرأة أفضت إلى تشكيل حزب يتميز بخلاصات من انتاج محلي مُضاف إليها صياغات أممية أعيد انتاجها لتتلائم مع ما أطلق عليه المعلم حرية الفكر المطلقة. لم يكن خيار كمال جنبلاط ثالثاً أو وسطياً رمادياً، كان اختياراً قائماً بحد ذاته ارتكز على استبطان اللبنات الأولى للتفكير الاشتراكي من تجربة الإنسان والجذور المبكرة للعدالة واستقرأ المنابت الأولى للمسلك التقدمي في جدلية اليونان وأسلافهم وأضاف إلى كل ذلك اختبارات من التصوف وخلاصات الفيزياء الكمية والعلم الحديث. 

لقد بحثت الجنبلاطية، بمراحلها الأولى، عن نفسها في الخارج لأنها شعرت بضيق الأفق الداخلي، كان عصر كمال جنبلاط محكوم بالمعادلة الطائفية داخل لبنان ومحكوم بمعادلة عائلية مناطقية داخل بيئته الضيقة فشكل عالم الأفكار وصراع النظريات والمدارس الفلسفية والعلمية إطاراً أضفى عليه طمأنينة افتقدها كأي ريفي مثقف ينزع إلى الخروج من معادلة الطبيعة والتاريخ المحليين إلى معادلة أوسع وأشمل يمتلك خلالها عوالم الطبيعة ومسارات التاريخ بكـُليّتها ويفهم نفسه في إطار الزمان. تعوْلم كمال جنبلاط قبل العولمة بنصف قرن، أقحم في بيئته صراعاً كونياً يدور على مستوى الأفكار والامبراطوريات الفلسفية، كان خلال جولاته التي باشرها لشرح النظرية التقدمية الاشتراكية يتحدث مع أبناء القرى بقضايا وإشكاليات يصعب عليهم فهمها لكنهم كانوا يرغبون في الانخراط معه في معركة التصحيح لأنهم شعروا أنها معركتهم. أتم المعلم دورته الخارجية بلقائه جمال عبد الناصر فاكتملت عنده الدائرة ببعدها القومي بعدما رافقت فلسطين كل مراحل نضاله.

لقد توصلت تسوية البحث في الجنبلاطية الأولى إلى صياغات نظرية للإصلاح السياسي انتهت في البرنامج المرحلي للحركة الوطنية فاكتملت تسوية الباحث مع إطاره الموضوعي في الداخل لكن حتى هذه التسوية لم تكن إلا معبراً إلى نهايته المعروفة.

يشبه النقاش في الجنبلاطيتين نقاش في جمهوريات لبنان المتعاقبة إذ لا يمكن القفز فوق الجنبلاطية الأولى بأي من مراحل لبنان قبل الحرب الأهلية كما لا يمكن تجاوز حقيقة أن اغتيال المعلم كان وراؤه حقبة أسست للبنان الطائف رسمتها الجنبلاطية الثانية بحرفية وأضفت عليها حكايات سياسية يصعب على أي ناظر للجمهورية روايتها من دونه.


من أداء الفلسفة إلى فلسفة الأداء

شكّلت لحظة اصطدام مشروع كمال جنبلاط ورفاقه في الحركة الوطنية بجدار التسوية الإقليمية والدولية؛ التسوية التي استمرت حتى اتفاق الطائف؛ إطاراً حكم انطلاقة الجنبلاطية الثانية وتموضعها في سياق المُمكن، ورسَمَ أفقها قبل أن يتسنى لها أن تمسك بزمام الأمور. إنها منطقة التسويات، محكومة بمنطق التسوية، ولكل من هذه التسويات أثمانها، هكذا بدأت تنبلج آفاق الجنبلاطية الثانية، بهذا التبسيط، الذي أسَّسَ على اعتبارات التجربة الماضية، وبعيداً عن فلسفة "الحياة" التي انتهت على مضض بحثت الجنبلاطية الثانية في فلسفة "البقاء" واسترَقَت لنفسها هامش من الاختلاف جسّدته في أدائها الذي يعبّر عن مساحة داخلية للرفض، أداء ميّز نفسه بالـ"سبقية" التي تـُنبئ بالوقائع، وباجتذاب القراءات الدولية إلى دائرة الحدث المحلي. وجسّدت أيضاً معرفتها الوافية بفلسفة التاريخ وخلاصاته. لم تحلم الجنبلاطية الثانية بمشروع يساري تغييري لكي يضاف إلى كوْمة المشاريع المكدسة في التراث اللبناني، لقد عجز الاتحاد السوفييتي بعظمته عن حماية مشاريع اليسار في لبنان من التسويات الدولية.! لكن رغم ذلك فقد انحازت إلى حقوق الناس وتابعت قضاياهم بصمت. ظل الجانب الاجتماعي ضامناً ذاته في الأداء من دون مشاريع طنانة اعتاد بعض اليسار على التبجح بها.

بعد الطائف أيقنت الجنبلاطية الثانية تعبها من الحروب وذاقت طعم المصالحة الداخلية بعدما اطمأنت إلى إنجازها في تثبيت عروبة البلد التي عجزت الجنبلاطية الأولى من تثبيتها. لقد طغى الحماس للسلم الداخلي على كل التعابير الأخرى، فلبنان لا يقوم إلا بركنيه المسيحي والمسلم. واكتملت عناصر الوحدة الداخلية، لكن رغم ذلك لم تتأخر في استشعار التحولات الدولية التي عادت ووضعتها في عين العاصفة وحرّكت فيها "حلم" الجنبلاطية الأولى. حلم كان للجماهير أن توسِّع من دائرة تأثيره  وكان للجنبلاطية أن تـُحدّد ضوابطه حتى لا تنزلق البلاد إلى حروب الداخل. وحين استشعرت خطورة الاستقطاب أسَّست لذاتها خياراً قائماً بذاته، ليس ثالثاً ولا رمادياً إنما صمام أمان للوحدة الداخلية والاستقرار الداخلي.

لقد أفضت الأحداث إلى خلاصة واحدة وهي أن أي من الجنبلاطيتين يعيد تكرار ذاته عندما تتشابه الوقائع والمجريات وكلاهما يعود ليخضع لقواعد التسوية ذاتها. 

لقد أنجزت فلسفة الأداء عند الجنبلاطية الثانية صياغتها النظرية، معتمدة على منطق واقعي يبحث عن البسيط وسط تعقيدات مزيفة لا تمتلك الأطراف الداخلية قرار البت بها وإن بدت أنها تتحرك بطلاقة. نمط من الأداء المُسيّر وفق ديناميات وثوابت مفاهيمية لا تقتصر تأديتها على حالة فردية إنما تعتمد على نظام بشري يحيطها ويستثيرها في كثير من الأحيان. وبذلك فالكلام عن الجنبلاطيتين داخل الحزب أو خارجه لا يقوم على فصام بين فكرتين إنما يؤشر إلى أن جزء من تاريخنا الحديث لا بد أن يـُكتب بموضوعية وعلى قاعدة أن لكل زمان رجاله ولكل مرحلة ظروفها.

 



(Votes: 0)