Keyword: From Date: To Date:

المعلّم كمال جنبلاط في السادس من كانون ... شموع أمل لكبير قضى حرّاً وكبيراً عندما رفض الصفقة وسخر منها 

| 06.12,10. 02:32 AM |

 

المعلّم كمال جنبلاط في السادس من كانون

 شموع أمل لكبير قضى حرّاً وكبيراً عندما رفض الصفقة وسخر منها  
  


 
  
 

سلمان العنداري

 

٥ كانون الاول ٢٠١٠ 

في السادس من كانون الاول عام 1917 أنجبت الست نظيرة جنبلاط زوجة الزعيم المتنفذ فؤاد بك جنبلاط الذي عينته السلطات العثمانية مديراً لمنطقة الشوف الجبلية الكبرى، صبياً سموه كمالاً. في ذلك اليوم هطل المطر مدراراً على المختارة التي يقوم فيها قصر آلأ جنبلاط العريق، وكُتب على من سارعوا ذلك اليوم لتهنئة فؤاد بك بولادة وريثه ان يبتلوا حتى العظام بالريح البادرة.

وبولادة الصبي عمّت الفرحة قصر المختارة، وكما هي العادة، غُسل الوليد فوراً بماء دافىء مملح بعض الشيء، ونثر على بشرته مسحوق الآس. وفي قسم الحريم كان الحطب يطقطق في اوجاق الحديد الملتهبة، والمرضعة التي جيء بها من الخريبة تنشر اول الاقمطة بعد الغسيل، فيما يتوارد على القصر الاقارب الابعدون منهم والاقربون، والوجهاء من الجيران واعيان بيروت، وفلاحو الضيع المجاورة. وفي الساحة امام القصر، راح الشعراء يتبارون بالازجال والمواويل الارتجالية معبرين عن فرحهم. وتعالت التهاني المنظومة تبريكاً بالوليد. وكانت تقدم الى الضيوف مرات عدة في اليوم اطباق الرز المطهو باللحم الساخن، ويتلقى الفلاحون الكسوة، ويتسلم الفقراء منهم بيضاً وعسلاً وزيتوناً وصابوناً فواحاً، بالاضافة الى الثياب".

هذه المقدمة كتبها الصحافي الروسي ايغور تيموفييف في كتابه الذائع الصيت "كمال جنبلاط الرجل والاسطورة" الصادر عن دار النهار. اذ صوّر الكاتب الشهير يوم ولادة الزعيم الوطني كمال جنبلاط في السادس من كانون الاول 1917 كما رواها كلّ من شاهد وعاصر تلك الفترة التي احتضنت كبار رجال الفكر والسياسة في لبنان.

اليوم، تعود ذكرى ميلاد "المعلم" من جديد كما كل عام، اذ يتحوّق الناس خلف ذاكرتهم، فيصبح يوم السادس من كانون الأول مناسبة لاستعادة الماضي، وللتطلع الى المستقبل، بعيون تقدمية مشرقة ومستشرفة، وسط تحديات كثيرة وعديدة ترزح تحتها البلاد، بين الخيارات السياسية المستجدة والمتجددة، وبين الواقع الذي يكاد يحرق الاخضر واليابس من شدة الانقسام الحاصل بين الافرقاء... فالورود في ذكرى المعلم يضعها الناس على ضريحه الملاصق لقصر المختارة استذكاراً لرجل مرحلة دخل التاريخ من الباب العريض، لا بل صنعه ووقف بوجهه حتى الاستشهاد.

كمال بك، الشخصية التي سحرت مئات الآلاف من حول العالم اجمع، ما تزال متألقة وحاضرة في دهاليز السياسة الداخلية والعربية والدولية. فالزعيم "الشعبي" لم يترك فقط سيرة ذاتية زاخرة بالمواقف السياسية، انما حرص على زرع بذور المعرفة والثقافة والعلم من خلال عشرات المؤلفات التي كتبها على مدى عقود، وها هو الجيل الجديد يُطالع اليوم بهذا الفكر، ويناقش تعاليم المعلم، في محاولة للوصول الى "الحقيقة" حيث "الحياة والنور...

يقول رفيق درب كمال جنبلاط وصاحب كتاب "الطريق الى المختارة زمن كمال جنبلاط" الصحافي عزت صافي في اتصال معه، ان "كمال جنبلاط رجل من تاريخ لبنان والعرب، عاش عمراً لم يهنأ به لانه امضى ذلك العمر الذي لم يتجاوز الستين سنة مفكّراً ومصلحاً سياسياً وثقافياً ومناضلاً حراً وشجاعاً حتى الشهادة". ويضيف صافي: "المعلم كان قائداً اشتراكياً مجدداً في مسيرته ما بين الشيوعية والماركسية والليبرالية بما هي حرية وعدالة وابداعاً في العلم والثقافة والاقتصاد والسلطة، ولعله المفكر الاشتراكي اللبناني العربي الاول الذي استبق عصره وكتب المستقبل كما رآه وتوقعه، ولم يكن يتمناه ولكنه حذّر منه ثم استشهد وهو يقاوم ذلك المستقبل الذي يعيشه لبنان والعالم العربي اليوم".

من جهته يقول القيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي يحيى خميس ان "ولادة المعلم كمال جنبلاط تعني الكثير لكل لبناني عربي وانسان على هذا الكوكب، لأنه لم يكن محصوراً في حزب او في فكرة او في توجّه سياسي معين، فقد استطاع الرفيق كمال بك من خلال قراءته المبكرة لمختلف الافكار والفلسفات والاديان من صياغة فكر منفتح الى اقصى الحدود قابل للتطور الى درجة غير محدودة، وعماد هذا الفكر الاساسي يكمن في التطور والتقدم والحرية".

والمعروف عن كمال بك "الثائر" وصفه للنظام اللبناني الذي يعود بجذوره الى نظام 1864 بأنه "كرس الطائفية في الادارة والدولة، فحول المذاهب في لبنان الى أحزاب مذهبية سياسية، وتوزع البشر الى أجناس مختلفة لا تشعر، كما يتوجب بوحدة الوطن، بوحدة العيش، بوحدة الصيرورة والمصير (...) ويكاد لبنان في هذه المرحلة ان يكون اتحاداً فيدرالياً لطوائفه أكثر منه دولة في المعنى السليم والصحيح".

ولا يتعب كمال جنبلاط من الوصف التاريخي والاجتماعي لحال لبنان في تركيبته الدينية والطائفية، فإنه يلجأ الى شيء من الشعر الصوفي فيقول: "الجداول والأنهار تسير في أوديتها المختلفة في اتجاه البحر الواحد، وتفرغ فيه ماءها العذب لتزول وتذوب فيه فاقدة الاسم والشكل، فلا يقال في ما بعد إلا أنه البحر... وكذلك مختلف المعتقدات والأديان في توجهها الى المطلق...".

ويرى المعلم انه: "لا يمكن عزل لبنان وتطوره عن الأيدي الغريبة اللاعبة بمقدرات لبنان، والتي لا تزال أهدافها هي ذاتها تقريباً لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول منذ منتصف الجيل الماضي (جيل القرن التاسع عشر"


من زمن التحوّل، الى زمن العواصف وصولاً الى "القدر المكتوب" تنقّل الصحافي صافي في كتابه، متحدثاً عن حقبة تاريخية كبيرة وعابقة بالاحداث، كان فيها جنبلاط محركاً اساسياً في خفاياها، اذ يعتبر ان "زمن كمال جنبلاط كان زمن الكبار في السياسة وفي الوفاء الذي انطلق من غير موقع وجغرافيا لبنانية وعربية في المعنى الحضاري لكلمة سياسية، وفي معنى التاريخ المفتوح، والشاهد على من يتصدره".

كان جنبلاط من المساهمين الاساسيين في صنع تفاصيل السياسة اللبنانية وحديث كل الناس في كل مرة يتبوأ فيها او يستقيل رئيس للجمهورية و"لحد هون بيكفي". والحقيقة التي ادركها كمال جنبلاط هي ان شعب لبنان مهيأ، بل معبأ للسير وراء رجل يقوده الى التغيير الشامل في لحظة تاريخية من دون اي اعتبار لمبدأ او تقليد يقضي باختيار رئيس الجمهورية من طائفة معينة، وقد كان هو الرجل الذي قاد حركة الشعب اللبناني من مختلف طوائفه ومناطقه الى التغيير الذي تحقق في عز استحقاق رئاسي لا سيما انتخاب كميل شمعون رئيساً للجمهورية وعلى غرار كلمة الساحر الرئيس كميل شمعون يوم انتخابه رئيساً للجمهورية حيث توج عند كمال جنبلاط قائلاً: "مبروك فخامة الرئيس"، فما كان من كمال جنبلاط إلا أن قال على مهل: "أنا الرئيس، وغيري راح يكون صاحب الفخامة".

ويلفت خميس بعد اكثر من 33 عاماً على استشهاد الرجل الذي تًرك وحيداً في لحظة التسوية الى " اننا نعيش زمن صعب وقاسي، ولكن حتى لا نعيش حالة من الاحباط اعتقد ان تاريخ لبنان مليء بمراحل مشابهة لما نعيشه اليوم، فهو يجمع محطات كثيرة من التاريخ تكاد تكون بصعوبة هذه المحطات وقساوتها وطريقة تعاطي اللبنانيين وبمن فيهم السياسيين معها، وقد تكون هذه المحطة التي نعيشها اليوم من المحطات الصعبة والتي يجب علينا مواجهتها بالدرجة الاولى من خلال إحكام العقل والحكمة في التعاطي معها، وليس اسهل من اطلاق الشعارات السياسية او الثقافية اوالعقائدية المتحجرة والتعبوية والتي تخلق حالة من شد عصب استماعي يؤدي فيما بعد الى نوع من الكارثية الاجتماعية، وبالتالي لا يوجد اصعب من مخاطبة العقول ومخاطبة الانسان في جوهره للقفز ولتخطي مرحلة الغريزة والتوتر".

ويشدد خميس اننا "بحاجة الى تحكيم لغة العقل والمنطق لكي نمر من خلال غرائزنا نحو عقلنا ومخاطبة الناس بلغة هادئة والسعي الى حوار دائم وموضوعي وعميق، وبالتالي الخروج الى حالة من الاستقرار والامن، وليس كما يحصل اليوم من خلال التجاذبات الاعلامية الحالية والتي من شأنها ان تؤدي لا سمح الله الى مخاطر جمة لا يمكن ايقافها فيما لو استمرت".

يبقى لهذه الذكرى الحميمة ان تكون رسالة للعودة الى "كمال جنبلاط الحقيقي" بعيداً عن الخوض في تفاصيل السياسة الحالية التي ينتهجها رئيس اللقاء الديمقراطي وحامل المسيرة وليد جنبلاط، وبعيداً عن القراءات المتناقضة لصحة هذه الخيارات التي تغيرت او تجددت او عادت الى القاموس السياسي من جديد، اذ يضيء الناس، كل الناس، والشباب كل الشباب شمعة السادس من كانون عام 2010 بكثير من الخشوع والاحترام، على ان تكون شمعة الوفاء لفكر كمال جنبلاط ونهجه، وشمعة الحفاظ على لبنان السيد والحر والعربي والمستقر، من دون اي تدخلات اجنبية واقليمية كانت سبباً اساسياً في خرابه وانزلاقه بلعبة الامم و"النظريات البالية".... فهل خرج لبنان من السجن الكبير الذي تحدث عنه الرفيق كمال جنبلاط، ام اننا ما زلنا نقبع في هذا السجن بفعل الواقعية السياسية والضغوط المتزايدة؟".

ختاماً، وبالاستناذ الى كلام صافي، كان قدر كمال جنبلاط ان يمضي الى مصيره بعد ادراك بعض الجهات "المعروفة" أن وجوده بات أثقل من أن يتحمله سلطان في كل زمن، فهوى على طريق الشهادة ... حرّاً ، كبيراً... رافضاً للتسوية والاستزلام... فهل من يعتبر؟؟

 
موقع 14 آذار+فرح نيوز اونلاين 
 



(Votes: 0)