Keyword: From Date: To Date:

من لبنان إلى الأشقاء: ذكرى دروس الاستقلال

| 22.11,10. 07:19 PM |

يحتفل اللبنانيون بعد أيام قليلة بمرور 67 عاماً على استقلالهم . وبعد مرور هذه الأعوام على الحدث الاستقلالي اللبناني، وبعد أن شهد لبنان والمنطقة العربية العديد من الأحداث التاريخية والمتغيرات والاضطرابات، غابت عن أذهان الأغلبية من اللبنانيين والعرب أهمية ذلك الحدث، ومعانيه ودروسه . التذكير بهذه العبر والدروس له فائدة كبرى اليوم، خاصة أن السلطة الفلسطينية تلوحّ بسلوك الطريق نفسه الذي سلكته حكومة الاستقلال اللبناني عام ،1943 اي عندما أعلنت إنهاء الانتداب من دون الحصول على موافقة الطرف الفرنسي . وهناك، ولا شك، اختلاف كبير بين الظروف التي تم فيها إعلان استقلال لبنان الناجز، وبين الأوضاع التي تمر بها القضية الفلسطينية، رغم ذلك تبقى لمعركة الاستقلال اللبناني دلالات ودروس كثيرة يمكن أن تفيد القيادات الفلسطينية والعربية الأخرى التي تسعى إلى تحقيق الأهداف العامة من أهمها ما يلي: إن الشعوب الصغيرة تستطيع أن تحقق أهدافها الوطنية وأن تصون حقوقها حتى لو كانت ضعيفة الإمكانات، ومحدودة القدرات . فلبنان الذي دعي بعد عامين من استقلاله إلى المساهمة مع 46 دولة أخرى في تأسيس هيئة الأمم المتحدة كان ثاني أصغر بلد بعد اللوكسمبرغ من حيث المساحة ومن أصغرها من حيث عدد السكان . أما الحكومة اللبنانية الاستقلالية فلقد كانت تملك سيطرة شكلية على مرافق البلاد، بينما كان الفرنسيون يسيطرون على مواردها المالية وعلى القوات المسلحة . إلا أن الحكومة اللبنانية استطاعت أن تخوض معركتها بالاستناد إلى الشرعية الانتخابية التي انتزعها الاستقلاليون اللبنانيون بعدما اقترعت الأكثرية الشعبية إلى جانبهم . إن الوحدة الوطنية في الداخل أدت دوراً رئيسياً في فوز لبنان باستقلاله، فلبنان كان منقسماً إلى طرفين رئيسيين ومتساويين في القوة تقريباً، ولم يكن الانقسام محصوراً في مجال واحد بل كان منتشراً على كل صعيد ديني واجتماعي ومناطقي . وبواسطة سيطرتها على الدولة وعلى المؤسسات التربوية، حاولت سلطات الانتداب أن تنشر الانقسام على صعيد إثني أيضاً بحيث تكون الفرنسية هي “اللغة الأم” و”اللغة الوطنية” عند فريق من اللبنانيين بما ينزع عن العربية هذه الصفة . وفي السياسة المعلنة التي مارستها تلك السلطات، سعت إلى الإقناع بأنها كانت سلطة علمانية تسعى إلى ترسيخ مبادئ المساواة والديمقراطية في لبنان مع “مراعاة” الانقسامات الدينية . إلا أن الوقائع دلت على أن الانتداب كان غطاء “تمدينياً” لسياسة إمبريالية تسعى إلى السيطرة بأية وسيلة من الوسائل على المستعمرات والمحميات والأقطار الواقعة تحت الانتداب . وهكذا انصرفت السلطات الفرنسية في المشرق إلى تغذية الانقسام الطائفية- وليس إلى مراعاتها عن طريق تشجيع قيام تكتلات وأحزاب طائفية بحتة وعن طريق بسط “حمايتها” على بعض الجماعات الدينية ضد الجماعات الدينية الأخرى . ونجحت هذه اللعبة بعض الوقت ولكن ليس كل الوقت، ذلك أن مساوئ النظام الانتدابي بدأت تتكشف لجميع اللبنانيين بما في ذلك أولئك الذين طالبوا به وأيدوه في البداية . وهكذا أسِّست نخبة وطنية عابرة للطوائف ففتحت الباب أمام الاستقلال . أهمية التضامن العربي في حصول لبنان وحصول الأقطار العربية على أهدافها الوطنية . هذا ما أدركته القوى الأجنبية التي سعت إلى منع لبنان من تحقيق استقلاله، لذلك مارست ضغطاً شديداً على الدول العربية الأخرى، عندما زج الفرنسيون بالمسؤولين اللبنانيين في السجن، للحيلولة دون صدور أي رد فعل رسمي أو شعبي عن تلك الدول . ولكن ردود الفعل هذه أخذت في التعاظم يوماً بعد يوم، خاصة تلك الآتية من القاهرة ومن بغداد ودمشق . هدد رئيس الحكومة المصرية مصطفى النحاس بامتناع حكومته عن الاعتراف بحركة فرنسا الحرة بزعامة الجنرال ديغول إذا لم يفرج عن الزعماء اللبنانيين ويعودوا إلى مناصبهم . وأبلغ السوريون والعراقيون الحكومات المعنية أنهم لن يكونوا مسؤولين عما يحل بالمصالح الفرنسية والغربية إذا منع الفرنسيون لبنان من الحصول على استقلاله . وتحرك الشارع المصري ليعبر عن غضبته على الفرنسيين . وفي ظروف الحرب العالمية البالغة الحراجة وجد الحلفاء الذين كانوا يخوضون معارك حاسمة في العلمين وعلى ضفاف المتوسط أنهم لا تسعهم المغامرة باستفزاز العرب، فكان لهذا العامل أثره الكبير في عودة حكومة الاستقلال إلى ممارسة سلطاتها وإلى نهاية عهد الانتداب والسيطرة الفرنسية في لبنان والمشرق . ويجدر بالذكر أن التجربة اللبنانية في انتزاع الاستقلال الناجز، تحولت إلى نموذج سعى إلى الاقتداء به كل من الزعماء المغاربة والجزائريين في الفترة نفسها . إلا أن المحاولات التي قام بها أولئك الزعماء مثل علال الفاسي في المغرب، وفرحات عباس في الجزائر لم يقيض لها النجاح نظراً للاختلاف الكبير بين ظروف الاحتلال والاستعمار الأوروبي في شمال إفريقيا، وبين نظام الانتداب الفرنسي في لبنان وسوريا . ضرورة بناء تحالفات دولية لضمان تحقيق الاستقلال . لقد حقق الزعماء الاستقلاليون في لبنان نجاحاً مهماً على هذا الصعيد حيث كانت لهم علاقات وصلات قوية بأوساط نافذة في الدول الكبرى بما فيها فرنسا . وظهرت الحاجة إلى مثل هذه الصلات عندما اتجه الحلفاء، وبريطانيا بصورة خاصة، إلى دعم الفرنسيين في معركتهم من أجل السيطرة على لبنان وجر اللبنانيين إلى القبول بمعاهدة مع فرنسا تحول استقلاله المرتقب إلى غطاء شكلي لواقع الهيمنة الفرنسية . ولكن اللبنانيين رفضوا القبول بهذه المعاهدة وبإعطاء فرنسا أي “مركز ممتاز” في دولة الاستقلال . وفي النهاية تمكن اللبنانيون من الحصول على ما أرادوه . وكان من أسباب هذا النجاح العلاقات الجيدة التي أقاموها مع الأحزاب الفرنسية نفسها وخاصة مع أحزاب الوسط ويسار الوسط . فقد مثلت هذه الأحزاب في اللجنة الوطنية الفرنسية التي شكلها الجنرال ديغول لإدارة شؤون المستعمرات ومناطق النفوذ الفرنسي التابعة له . وعندما دعيت هذه اللجنة للنظر في “المسألة اللبنانية” ولاتخاذ قرارات بصدد الإفراج عن عودة الحكومة الشرعية اللبنانية إلى ممارسة الحكم وإنهاء كافة القيود على استقلال لبنان، وقفت هذه الأحزاب التي باتت تتمتع بأكثرية الأصوات داخل اللجنة إلى جانب اللبنانيين ما سهل استئناف المسيرة الاستقلالية . ما فعله اللبنانيون هنا مع الأحزاب الفرنسية مطلوب المضي به مع الأحزاب في الغرب التي يمكن أن تتعاطف مع القضايا العربية ومع القضية الفلسطينية خصوصاً . الخليج


(Votes: 0)