Keyword: From Date: To Date:

رسالة إلى شهداء الطفولة 

| 25.10,10. 01:55 PM |

 

رسالة إلى شهداء الطفولة

  زلفا دوري شمعون

   أود أن آخذ لحظة من وقتكم لأتذكر معكم عمي داني وإنغريد وطارق وجوليان. إنها ليست بشكل إشادة سياسية إنما استذكار حياتهم التي نُزعت منهم باكراً منذ عشرين سنة.
   يومها لم يكن لي من العمر سوى ست سنوات، إلا أنني أشعر أني عرفتهم جيداً، وقد طبع طارق وجوليان حياتي بأكثر من طريقة ولأكثر من سبب، واسمحوا لي أن أطلعكم على بعضها:
   كان طارق، أو تاي، يتزعم مجموعة، ولم يكن قد سبق له أن خرج بمفرده. كنا ندور حول بركة السباحة في النادي، راكضين وراءه وهو باللباس العسكري دائم الاستعداد للرقص على طريقة مايكل جاكسون. لقد كان لطيفاًَ ومهيمناً في آن خصوصاً تجاه جوليان وتجاهي إذ كنا أصغر سناً وأقصر قامة. وكان سرّه ثقة في النفس ومظهر مميز بشعره الأشقر والمتدلي على جبينه. هذا جعل من الطبيعي اللجوء اليه وهو كبيرنا  عند بروز صعوبة تستدعي حلاً. أما أنا البنت الوحيدة في المجموعة فكنت أكافح للتأثير على الصبيان وكسب ثقتهم.
   وذات مرة ذهبت بعيداً في هذا التحدي وحاولت قتل أفعى كانت تشكل تهديداً للفريق. ولقد تبين لي أن مهارتي لإنجاز المهمة لم تكن على المستوى المطلوب، مما دفع بطارق إلى التدخل لينقذني من شر الأفعى بعد أن تسببت بإثارة غضبها وعدوانيتها.
   هذا بالنسبة إلى طارق، أما جوليان أو جول، فكان مميزاً وصاحب سحر لا يقاوم، وليس فقط بسبب شعره الأشقر المجعد وخديه المطبوعين بغمازتين، إلا أنه كان دائماً، وأعني ما أقول، يواجه المشاكل. ولقد كان العضو الثائر في الفريق والأفضل في المواجهات. كنت أرى فيه مثالاً لزوج المستقبل، وهذا ما قصدت بقولي أنه كان صاحب سحر لا يقاوم. كما كان يتمتع بالحكمة، وهذا مستغرب من ولد لم يتجاوز الخامسة، وإليكم هذا المثل الذي انطبع في ذهني ولا يزال يلازمني: عدت يوم أحد من الكنيسة وبدأنا جوليان وأنا اللعب في غرفتي، وطرحت عليه السؤال: أيمكنك تصديق هذا الأمر: اليوم قال الكاهن في عظته كلاماً عن الحب، يا للقرف! هذا لأن في قاموس إبنة الست سنوات الحب يعني شيئاً واحداً فقط العلاقة بين عريس وعروسته. ومن دون أي انفعال يجيب جوليان: كلا يا سخيفة الحب هو حب الله... هذه اللحظة لن أنساها أبداً.
   على صعيد آخر لا يمكنني إلا ان أتذكر الجدية التي كان طارق يقرأ بها وبصوت عال الرسالة الموجهة من إنغريد إليه وإلى جوليان يوم كانت محتجزة في منزلها في الأشرفية، والتي كانت تصرّ فيها عليهما لوقف اللعب بالحرب وبالسلاح.
   ولقد أثّر فيهما كلام الأم بحيث قاما بسرعة وجمعا الألعاب من مسدسات وقنابل بلاستيكية وغيرها، وقد أخذت الدهشة داني الذي لم يتفوه بكلمة واحدة.
- 2 -

   بقي أن أذكر الكلب "سكيبي" الذي كان عنده ميل لا يقاوم لأكل الدجاج، إلى حد محاولته سرقتها من القن مما كان يغضب عمي داني الشديد التعلق بحسن التصرف حتى في ما خص الحيوان.
   إلا أن "سكيبي" كان يحظى بدعم طارق وجوليان اللذان كانا يتوسطان له ويخلصانه من العقاب. وغني عن القول إني أفتقد اليهم، وكم تمنيت أن نكبر معاً ووجدت إلى جانبي اليوم طارق في الثامنة والعشرين وجوليان في السادسة والعشرين. إن ما أستطيع فعله هو التساؤل والتذكر وإعادة صياغة مصير مختلف للملاكين اللذين أحببتهما كثيراً.
    وهناك فكرة تراودني دائماً، من مجرد مرورهم على هذه الأرض، وهو ذكرهم كشقيقين وليس كأبناء عم وكشهداء الوطن وحتى شهداء الإنسانية. وفي كل حال أنا أفكر فيهم كأبطال، كاولئك الذين نقرأ عنهم في الملاحم حيث الخير ينتصر في النهاية بعد صراع طويل ومرير مع الشر.
   أما سلاحهم فكان طيبتهم وبراءتهم، وقصتهم البطولية يمكن أن تكون أمثولة للوطن.

         



(Votes: 0)